صناعة الهولوكوست يقصد بها معنى الارتزاق او السبوبة او منظومة المصالح المادية المغرضة والطائلة ايضا المتوخى تحقيقها من وراء التلويح بحكاية محارق اضطهاد اليهود او التنكيل بهم...)انتهت الحرب الكونية الاخيرة ولما تنته الحيرة فيما يأخذ الناس من عبرتها ودروسها وما يدعون والناس هم الالمان على وجه التحديد, ذلك ان المنظومة الفكرية والدعائية لليهودية العالمية ما برحت على اصرار شديد ومستفز من اجل التمكين لعقدة الذنب كي تستبد بالنفسية الالمانية وهو ضرب اشرنا اليه سابقا على انه توريث الخطيئة اي نقل عقدة الذنب من جيل سبق وانقضى اوانه الى جيل لاحق لم يرتكب ذنبا ولا اقترف جريرة ولكن مطلوب ان يظل في حالة سداد مستمر لفواتير الماضي وهي طاحونة نفسية وسلوكية مطلوب من المان اليوم ان يدوروا في دوامتها تحت الشعار الشهير: (الاباء اكلوا الحصرم ولكن الابناء هم الذين يضرسون) . والذي يصدق على توريث الذنب بين الالمان مطلوب ان يصدق ايضا على اليابانيين وهما قطبا المحور المعروف الذي اشتجر بينه اللدد الدموي على امتداد سنوات الحرب العالمية وبين الحلفاء من غرب اوروبا ومن امريكا ومن روسيا في عهد ستالين واذا كان مطلوبا من الالمان ان يعتذروا بل ويكفروا عن خطيئة جيل النازي الذي قاده هتلر واجتاح به اوروبا من الغرب الى الشرق ابان الحرب الاخيرة فان اليابانيين مطلوب منهم ان يعتذروا الى حد التوبة والانابة الى اهل الصين وجنوب شرق اسيا على اخطاء جيل الثلاثينات ثم الاربعينات الياباني الذي عمل على احتلال واستغلال تلك المناطق لصالح مشاريع التوسع الامبريالي في اليابان. اليهود وخصمهم الالماني ولان مشكلة اليهود هي اصلا مع المانيا فان حكاية اعتذاريات اليابان لا تكاد تهم القوم في امريكا وغرب اوروبا اللهم الا من باب تسجيل المواقف او الضغط على طوكيو او حتى ابتزازها لزوم تحجيم قدرتها على المنافسة الاقتصادية مع الغرب في اوروبا وامريكا قبل ان يتعلق الامر بحكاية الحس الانساني المرهف او الدعوة الى التطهير او التكفير عن اخطاء الماضي. يبقى الامر متعلقا بالمانيا على وجه الخصوص ويبقى المطلوب هو المزيد من تعميق الاحساس بالخطيئة في وجدان الاجيال الالمانية الراهنة. ولقد مضى حين من الدهر على المانيا حيث شهدت اليمين السياسي في برلين وهو يرفض الاقرار بحكاية الذنب الموروث, وقد وصل امر هذا اليمين السياسي والعقائدي الى حد ان بدأ قادته يمعنون في الاستفزاز والتحدي حتى ليسترجعوا في ادبياتهم شعارات النازية وتعاليم هتلر ومقولات التصنيف العنصري - العرقي للاقوام والشعوب. وكان سهلا على الفرقاء ان يدفعوا هذا اليمين الالماني بوصمة اسموها (النازية الجديدة) وان يحذروا من احتمال ظهور هتلر جديد ويستغلوا رعب الناس من اشتعال الصراع الدولي وقد اكتووا او اكتوى اباؤهم بلظاه كي يحولوا دفة الرأي العام واتجاهاته الى ادانة هذه النازية الجديدة التي رآها بعض المراقبون على انها موضوعياً تنطوي على قدر لا يستهان به من رغبة رد الفعل والتحدي والاستجابة المستفزة لطروحات اليهود وغيرهم من أصحاب المصلحة في تكبيل الشخصية الالمانية داخل ما يشبه قميص المجانين السياسي والسيكولوجي والايديولوجي على السواء. وجاء اليسار للحكم لكن الجديد على الساحة السياسية في المانيا هو ان اليسار الالماني هو الذي شرع في التحرك ليرفض قميص المجانين الذي حاكته ايادي اليهود ويرفض معه توريث خطايا الماضي ايا كان المنظور المستخدم في تقييمه والحكم عليه. هكذا يلاحظ الباحث السياسي الامريكي (ايان بوروما) (في دراسة نشرتها نيويورك تايمز ــ عدد 29/12/1998) ان قطاعات اليسار المستجدة على الساحة السياسية في المانيا بدأت تحتل المواقع التي سبق لليمين ان شغلها وانطلقت دعواته منها.. وهو امر له دلالته البالغة بالنسبة لاحباط مقولات اليهود التي ظلت تدمغ اليمين بالرجعية واحيانا بالعنصرية والنازية وطبعاً معاداة السامية وقد جعلوها تعسفاً مرادفة لبغض اليهود. ولقد جاءت نتائج الانتخابات الالمانية التي دارت في سبتمبر الماضي لتحمل بدورها دلالة اكثر من واضحة حين رفض الناخبون الالمان دعوة المستشار السابق (المهزوم) هيلموت كول الى اقامة نصب تذكاري هائل ليكون رمزاً لحكاية الهولوكوست او بمعنى آخر تجسيدا لاعتراف المانيا بالذنب واقرار ابنائها جيلاً بعد جيل بالخطأ في حق اليهود. وطبعاً لم يكن صدفة ان كان النصب التذكاري الهولوكوستي المقترح من تصميم امريكي يهودي هو بيتر ايزنمان وكان مطلوبا ان يكون النصب المهول المترقب بمثابة المحور المعماري لبرلين عاصمة المانيا الموحدة وقد ولدت كما قالوا يومها من جديد وتصير الولادة من جديد في الادبيات المسيحية ــ يرادف بداهة الاقرار بالذنب ــ واعلان التوبة النصوح والتماس الغفران وهو يقارب كما قد نتصور ما تذهب اليه الادبيات الاسلامية من عودة الحاج من مناسكه وفراغ الصائم من رمضان وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وها هو يعود كمن ولدته امه. سقوط النصب التذكاري والمستشار وفي كل حال, لم ينطل الامر على ناخبي المانيا فرفضوه, وبالمرة اسقطوا مستشارهم التاريخي (كول) ونصبوا بدلاً منه مستشارهم الجديد (شرويدر) ممثلاً لتيار جديد من اليسار الالماني ــ الاوروبي.. ولم يكن في الامر عجب اذ كان شرويدر قد اعلن في سياق الانسحابات رفضه لحكاية انشاء نصب تذكاري سامق ارضاء (تملقا) لليهود, ثم اعلن من بعد وبصراحة ان على الالمان ان يتطلعوا الى المستقبل. وفي اكتوبر الماضي اعلن الروائي الالماني الشهير (مارتن فاسلر) في خطاب عام انه سئم رؤية الهولوكوست وحكايته وهي تقب وتبرز طول الوقت من اجهزة الميديا في المانيا وخاصة عندما يتكرر الحديث مراراً الى حد الملل القاتل عن (أوشفيتز) معسكر الاعتقال الجماعي الشهير ابان الحرب وفي هذا السياق بالذات قال (مارتن فاسلر) بالحرف: لقد اصبحت (اوشفيتز) بمثابة تهديد روتيني متكرر واضحى اداة للتخويف وكأنه سيف معنوي يخيم شبحه على رؤوس العباد..) . وبين شظايا هذه القنبلة المعنوية بدورها التي فجرها علنا المثقف الألماني الكبير, بادر زعيم الجالية اليهودية الألمانية (أجناتز بوبيس) إلى الرد على شكل شتائم صريحة, اقرب إلى الهستيريا فوصف تصريحات الروائي (فاسلر) بأنها نوع من (اشعال الحرائق الفكرية) . صناعة الهولوكوست. ومن أطرف ما يطالعه المراقب السياسي في هذا السياق بالذات ما يتردد في أوساط الألمان من مفكرين وسياسيين ومن في حكمهم من أنه قد آن الأوان لمعاودة النظر بمنطق المراجعة أو التنقيح فيما يطلقون عليه (صناعة الهولوكوست) . ويقصدون به معنى الارتزاق أو السبُّوبة أو منظومة المصالح المادية المغرضة والطائلة أيضا المفترض تحقيقها من وراء التلويح بحكاية محارق اضطهاد اليهود أو التنكيل بهم. في هذا المضمار يضيف ايان بوروما قائلا: أما وقد أصبح اليسار (والليبراليون) في السلطة في ألمانيا, فثمة شعور يسود بأن الفرصة وقد سنحت للحديث بقدر أكبر عن حرية الفضفضة عن نظرة الألمان إلى حكاية تبليعهم خطيئة الهولوكوست. وقد نعلق من جانبنا قائلين ان صبر الألمان نفد إزاء ما يصادفونه في الميديا وفي السياسة وربما في حياتهم اليومية, ناهيك في مجال تقييم سلوكياتهم وتصوير الطابع القومي لشعبهم الفخور ــ موضوعيا ـ بانجازاته في مضمار الحضارة والتقدم والفن والرفيع والتكنولوجيا فقطعت حبال صيدهم ازاء منتوجات صناعة الهولوكوست بكل تداعياتها المادية والمعنوية. زمان كانوا يشتمون اليمين الألماني الرافض لتكريس خطيئة الهولوكوست ويصفون سلوك اليمين بأنه فاشية, وهي كلمة مبغضة إلى حد التحريم في القاموس الغربي المعاصر, ولكن هاهم يعمدون إلى سلوك اليسار الألماني وقد استجد على ساحة السلطة السياسية الألمانية ويخلعون عليه تسمية جديدة هي تحطيم التابو بمعنى مقاربة المحظورات أو حتى انتهاك المحرمات! آراء الجناح الليبرالي وبين جانبي اليسار الذي يود تحطيم التابو واليهود الذين يجهدون في تعميق التابو وتكريس صناعة الهولوكوست, يشق الجناح الليبرالي في السياسة الألمانية طريقه رافضا بدوره حكاية التفكير الارتجاعي الذي يصادر تطلع الألمان إلى المستقبل, وفي هذا السياق ترفض مجلة (دير شبيجل) ذات النفوذ الواسع في الشؤون الألمانية العامة, مجرد فكرة تصميم لمبنى يقدمه معماري أمريكي وترى فيه نوعا من التعدي على كرامة الوطنية الألمانية, وهنا يقول الكاتب رودولف أوجشتاين رئيس تحرير (دير شبيجل) : لا يخلق بنا أن نسمح لأجنبي مثل (المهندس الأمريكي) السيد ايزنمان لكي يملي علينا الطريقة التي نتعامل بها مع ذكريات الماضي, وفي قلب عاصمتنا الجديدة. بيد أن الباحث الأمريكي الذي يخيل إليه في هذا الحديث لا يلبث ان يعرب عن أسفه الشديد ازاء احباط مخططات صناعة الهولوكوست في ألمانيا (لا تنس من فضلك ان بحثه منشور في كبرى صحف نيويورك). ان بوروما لا يرى ان في عرض مهندس أمريكي تصميما لرمز ضخم للهولوكوست في برلين أي غضاضة ولا أي تدخل أجنبي في شؤون الألمان, ان الاستاذ الأمريكي ينعي على الجيل المخضرم الألماني, وينتمي إليه كل من الروائي فاسلر, والصحفي الكبير أوجشتاين انهما عايشا من حيث العمر مرحلة الحرب العالمية ومع ذلك فقد أصبحا في حالة توافق مع مزاجية. او سيكلوجية الاجيال الشابة الجديدة في المانيا ومنها وزراء شباب في حكومة المستشار شرويدر ذاتها ممن ولدوا بعد انقضاء الحرب ومن ثم لايحملون لها ذكريات من قريب او بعيد. ثم يعمد الاستاذ الامريكي الى تشديد النكير على اصحاب المنطق, مخضرمين او شبابا ممن يرفضون صناعة الهولوكوست ويرفضون معها تكرار اسطورية اضطهاد اليهود ومن ثم تعويضات اليهود يقول ان هذا لا يعطيهم الحق في التبرم وهم يسمعون حكايات الهولوكوست ولا في التشكي من ان الباقين, بعد المحارق اليهودية, على قيد الحياة باتوا (كما نشهد حاليا) يطالبون بالاموال او الممتلكات التي سرقها منهم النازيون ذلك ان ثمة نغمة قبيحة تتصاعد من تلك الاتهامات التي يوجهها اللبراليون (الالمان وغيرهم) وتدور حول السعار الشره الذي يبديه المحامون اليهود وهم يرفعون القضايا المتعلقة بحسابات مصرفية لليهود خلال الحقبة النازية. العرب وضرورات الرصد ومن منظورنا السياسي العربي, نؤكد ان الزمن في صالحنا بمعنى انه في صالح (لايصح الا الصحيح) وبمعنى ان اليهود ونقصد بهم القائمين على امر الحركة الصهيونية والمشروع الاستيطاني الاسرائيلي لن يتمكنوا باستمرار من العزف المتواصل على نغمة الهولوكوست.. واذا كانوا قد حملوا على ارهاب مفكر في قامة البروفيسور جارودي واذا كانوا يستطيعون شراء او ترويع او ابتزاز كاتب هنا او سياسي هناك فلن يستطيعوا بحال ان يشتروا ذمم اجيال بأكملها لافي المانيا ولا في اوروبا او امريكا. وفي هذا السياق بالذات لايفوتنا ان نرصد عمق الخلافات المحتدمة حاليا داخل اسرائيل ذاتها وهي ليست مجرد خلافات حول الحظر السياسي او مع سياسات المستوطنات مثلا.. ومنها خلافات حول تعريف هوية الفرد اليهودي اصلا.. وهو ما قد يشكل اساس ومحور المشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي في وطن امتنا ولقد بلغ امر الخلاف الى الحد الذي دفع يهود الولايات المتحدة الى نشر اعلانات طائلة التكاليف في كبريات صحف امريكا طيلة الايام القليلة الماضية تدعو يهود امريكا الى اسماع اصواتهم واحتجاجاتهم على تضييق تعريف (اليهودي) ليقتصر على (الاصوليين اليهود) وحدهم (اليهود الارثوذكس). وفي اطار هذا الرصد من جانبنا ينبغي علينا كذلك ان نرفض دعوات اليمين الرجعية ولو في بلد مثل فرنسا او روسيا وقوامها العنصرية والتباغض بين الشعوب.. قد تسعدنا شعاراتها على نحو مرحلي, ولكن الاساس ينبغي ان يتمثل في انتصارنا المستمر لقضية الديمقراطية وممارستها وسيادتها واساليبها وبالتالي الانتصار لقضايا حقوق الانسان ومواصلة دعوتنا, بغير هوادة وبغير ملل, الى ان تنتصر المؤسسات الديمقراطية داخل الدول, وعلى صعيد منظومة الامم المتحدة, لاقرار واعمال حقوق الانسان لصالح الشعب العربي الفلسطيني, وفي مقدمة هذه الحقوق, حق تقرير المصير, وحق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة ذات السيادة فوق ترابه الوطني. مسيرة طويلة.. تبدأ بالوعي المستنير الناقد والفارز لما يدور من حولنا, وتستند الى الرصد المستمر على اساس سياسة النفس الطويل لكل المتغيرات والمستجدات والتطورات التي تطرأ هنا وهناك.. وتزدهر وتحقق ثمراتها اذا ما تسلح هذا الوعي والرصد بكل ما يسعنا من اسباب القوة المادية والمعنوية على السواء.