المستجدات المتوالىة التي يمر بها النظام الاوروبي الاقليمي, تمثل دعوة مفتوحة للمهتمين بمصير النظام العربي, كى يتأملوا ويقارنوا بين حال النظامين, ورغم ما تنطوى علىه هذه النظرة المقارنة من آلام وما تثيره من حسرات, الا ان عرباً كثيرين مازالوا عاكفين علىها , بعضهم يتخذ منها مناسبة لتأكيد استحالة اللحاق بتجربة الجيران في شمال المتوسط, والبعض الآخر يتصور ان الفرصة لم تفت بعد على الاستئناس بهذه التجربة ومحاكاتها. وبفعل تواتر النجاحات وتراكمها على الصعيد الاوروبي, فيما تتوالى الاخفاقات ومظاهر التراجع عربياً, بات الفريق الاخير في عداد المرابطين, القابضين حقاً على الجمر, ولنا ان نتخيل موقف هؤلاء, وهم يتابعون معطيات نهاية 1998 ومطلع 1999 على ضفتي المتوسط. فعلى الضفة الشمالىة, دخل الاوروبيون عامهم الجديد بخطوة جديدة وامال عريضة لقد تخلت احدى عشرة امة عن واحد من أبرز مظاهر السيادة الوطنية, العملة, واسلمته طواعية الى الاطار الاتحادى الذي اشتق عملة اوروبية موحدة, ومنحها اسم (الىورو) اختصاراً. وبينما حاول البعض اشاعة الشكوك حول مصير هذا التحول المذهل, وبينما امتنعت اربع من دول الاتحاد عن المشاركة فيه, مضى القطار الوحدوى دون تلكؤ, لم تلتفت الاغلبية الى المرجفين ولا انتظرت مداولات الممتنعين , بل انطلقت قدماً فيما عزمت علىه بلا تردد, وجددت بذلك تمسكها بالمنهجية التي تقيد بها العمل الجماعي الاوروبي منذ باكورته, وهي خوض الخطوات الوحدوية بمن حضر ووافق مع افساح المجال للمترددين للحاق بالركب وقتما يعن لهم, والملاحظ, ان هذه المنهجية اثبتت جدواها بلا استثناء, طوال الاربعين عاماً الماضية. لعل الاية الكبرى في هذا السياق, هي موقف الشريك البريطاني, الذي عزف عن المشاركة في اطر الوحدة عند بدايتها, ثم عاد يتنطع للالتحاق بها بعد بضع سنين, ولكي نقدر اهمية الخطوة الوحدوية العنيدة, قد يتعين علىنا التذكير بما قاله رئيس البنك المركزي الاوروبي ولمس به كبد الحقيقة ( ان العملة الموحدة ليس مجرد ورقة نقدية, ولكنها جزء من شخصية الشعب, انها تعكس ما لديه بشكل عام في الوقت الحاضر ومستقبلاً, ان الىورو يمكن ان يكون رمزاً لوحدة الشعب الاوروبي, كما الفرنك رمز لفرنسا والمارك يعني المانيا والليرة تعني إيطالىا) . ها قد جاء اذن الوقت الذي يشير فيه المسؤولون الاوروبيون الى الشعب الاوروبي بملء الفم, بغير خشية من إثارة سخرية احد, وهناك مبررات معقولة لئن يترسخ هذا المفهوم في مستهل القرن والالفية المقبلين, فعندما يسلم الاوروبيون من الاطلسي الى الاورال ومن القطب الشمالى الى المتوسط جيوبهم واقتصاداتهم لعملة واحدة, لا بد ان تنمو بالتداعي لديهم ملكة الاحساس بالمواطنة تحت سيادة واحدة.. ولو بعد حين. ولان التجربة الاوروبية عودت الجميع على الصدقية وعدم الانتكاس, فقد عجل كثيرون بايداع ثقتهم في الخطوة الوحدوية المستحدثة, وعما قريب سيكون الىورو منافساً قوياً للعملات التي هيمنت طوال عقود ممتدة كالىن والدولار, هذا ان لم يكن الوافد الجديد فعلها خلال ايام معدودات من عمره, ما يحق معه الاعتقاد في انه ولد كبيراً بالغ الرشد. اين هذا الاقبال الاوروبي بصدرمنشرح واحتفالىة كبيرة على مطلع العام من الوجوم والحيرة التي استقبل بها عرب 1999 عامهم على الضفة الجنوبية للمتوسط؟ فعلى الرغم من ان للنظام العربي رصيد اقوى من نظيره الاوروبي من حيث السبق التاريخي (نشأت الجامعة العربية قبل الجامعة الاوروبية باثنتي عشرة سنة كاملة), ومن حيث اواصر اللحمة الوحدوية (العرب قومية بلسان واحد والاوروبيون قوميات بألسنة متعددة), ومن حيث الحاجة الى التساند امام عداوات واضحة (اسرائيل مثلاً) على الرغم من هذه الحيثيات وغيرها, دلف هذا النظام 1999 وهو ضعيف دخلها في حالة من اللاإرادية المطلقة, لا يعرف اى طريق يسلك. والذي يرفع درجة الاسى لدى فريق المؤمنين بامكانية محاكاة الجيران في الشمال, كيف التقت في توقيت واحد كثير من الدوافع, التي يفترض انها تشكل فرادى ومجتمعة وازعاً للتفكير الجدي في احداث نقلة نوعية داخل النظام العربي: محاولة القضاء على العراق تمهيدا لتفتيته وتغيير الخارطة العربية, قلبت اسرائيل مائدة التفاوض بزعم التغيير الحكومي, الحديث عن أفول عهد الثروة النفطية, التهديد القائم على رأس ليبيا بعد عدة اسابيع, استمرار المأساة الجزائرية, ثم تطور التجربة الاوروبية نفسها في الشمال وما يفترض ان تحمله من رياح جديدة الى العالم العربي بالجوار. ان واحداً من هذه الدوافع كان كفيلاً في غير النظام العربي للتلاقي والدرس والتدبر, فكيف اذا تواكبت جميعها مثل الاخبار غير السارة التي لا تأتي فرادى؟ جيران العرب في الشمال, يلتقون على مستوى القمة مرتين في العام الواحد, يفعلون ذلك وبين ايديهم نظم ممأسسة على المستوى الوطني القومي واطر للعمل الجماعي المشترك على المستوى الاتحادى, وهي حقيقة كان بوسعها ان تغنيهم عن القمم الدورية الموقوتة بدقة, هذا في حين علىنا ان نعترف بما يتوفر لمؤسسة القمة في دنيا العرب, نظم داخلية وجامعة عربية, من سلطات, يصعب بدونها مرور اي قرار او خطوة وطنية او قومية, الذي يرتقي بأهمية هذه المؤسسة ويلح في طلب لقاء القائمين عليها من القادة. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة