يزدهر حظ الصغار حين يتنافس الكبار على خطب ودهم, أو حين يكونون بحاجة إلى أحدهم.ينطبق هذا القول تمام الانطباق على حالة فرنسا والولايات المتحدة اللتين تخوضان منذ فترة حربا صامتة من أجل النفوذ والهيمنة في القارة الافريقية . وخلال الفترة الماضية (26 ــ 28 نوفمبر) كان ثمة مناسبة تسنى خلالها أن ينبعث بعض البخار من القدور المحكمة التي تشتعل تحتها تلك الحرب. نقصد مناسبة انعقاد القمة الفرنسية الافريقية العشرين التي انعقدت في قصر اللوفر بباريس وحضرها زهاء تسعة وأربعين رئيسا افريقيا. وخلالها وجه الرئيس الفرنسي جاك شيراك انتقادات ضمنية للسياسة الأمريكية في افريقيا. وما قاله (إن فرنسا لا تعيد من فترة إلى أخرى الاهتمام بافريقيا من خلال رحلة أو أزمة أو اضطرابات اقتصادية أو كارثة طبيعية. إن فرنسا شريكتهم المتنبهة والمصغية منذ فترة طويلة) . وذلك في اشارة إلى الجولة التي قام بها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قبل أشهر إلى افريقيا. أكثر من هذا اعتبر الوزير الفرنسي المنتدب لشؤون التعاون والفرانكوفونية والمساعدة الانسانية شارل جوسلان إن جولة كلينتون الأخيرة في افريقيا لم تأت بالنتائج التي كانت تتوقعها هذه القارة, مما أوجد خيبة أمل لدى الأفارقة. وأشار إلى ان المساعدة الرسمية الأمريكية لتنمية افريقيا تبقى ضئيلة مقارنة مع مساعدة اليابان أو فرنسا. وشكلت تلك الجولة التي قام بها الرئيس الأمريكي بين (22 مارس والثاني من ابريل) الماضيين إلى غانا وأوغندا ورواندا وجنوب افريقيا وبوتسوانا والسنغال الجولة الأولى لرئيس أمريكي منذ عشرين عاما في هذه القارة. وطوال القمة كان واضحا ان فرنسا تعمل جاهدة لاستعادة دورها الذي فقدته جزئيا في وسط افريقيا حيث تعرضت دبلوماسيتها لانتكاسة كبيرة مع سقوط حاكم الكونغو السابق الماريشال موبوتو. وبدا حينها إن الحضور الفرنسي يتراجع لصالح الولايات المتحدة التي تدعم رواندا وأوغندا البلدين اللذين تمكن لوران كابيلا بفضل دعمهما أن يصل للسلطة في كينشاسا. غير ان تبدل التحالفات أدى إلى قيام تمردات جديدة في الكونغو, دفعت كابيلا إلى الدخول في نزاع مع حلفائه السابقين الروانديين والأوغنديين, والبحث من ثم عن دعم اقليمي ودولي جديد لا سيما الدعم الفرنسي. وبالفعل لم تتأخر باريس التي حرصت على توجيه الدعوة لكابيلا لحضور القمة الفرنسية الافريقية, وقامت بطرح مبادرة لحل النزاع في الكونغو أعلنت الأمم المتحدة تأييدها لها. ويعتبر المراقبون إن فرنسا بتقاربها مع كابيلا تتقارب أيضا مع القوى الافريقية التي دعمته لا سيما انجولا حيث لباريس مصالح نفطية كبيرة وبذلك تكون قد قامت بضربة دبلوماسية موفقة. في الوقت نفسه وبموازاة ذلك أعلن في واشنطن عن قيام وزير التجارة الأمريكية وليام ديلي يرافقه وفد ضخم بجولة في عدد من الدول الافريقية مطلع ديسمبر الحالي وحتى السابع منه. وستشمل هذه الزيارة جنوب افريقيا وكينيا وساحل العاج ونيجيريا. وأعلن ديلي ان جولته تأتي تجاوبا مع الامكانات التجارية ومجالات الاستثمار المتنامية التي توفرها الأسواق الافريقية والتي ستساهم مستقبلا في ازدهار المنطقة. واعتبر ان هذه البعثة التجارية ستؤكد أيضا تصميم الولايات المتحدة على الالتزام كليا ولمدى طويل في عملية الازدهار التجاري في افريقيا, مضيفا ان (افريقيا تشكل الحدود الأخيرة للمصدرين والمستثمرين الأمريكيين لكن هناك في الحقيقة امكانات متينة وواعدة) . وتتجسد رغبة الأمريكيين في التحرك اقتصاديا من الآن فصاعدا بشكل فاعل في هذه القارة التي أهملوها فترة طويلة, جليا في كثرة الزيارات التي قام بها في الآونة الأخيرة مسؤولون كبار في الإدارة الأمريكية. وقد توجه ديلي نفسه مرتين إلى افريقيا خلال الأشهر الماضية ووزير الخزانة (روبرت روبن) قام بجولة مطولة في يوليو كانت الأولى لوزير خزانة أمريكي. وتندرج البعثة التجارية الحالية في اطار (شراكة أمريكية افريقية) اقترحها الرئيس الأمريكي كلينتون في الربيع الماضي أثناء جولته, وتشمل البعثة خمسة عشر صناعيا أمريكيا يمثلون قطاعات الاتصالات والتكنولوجيا الاعلامية مع (اي تي تي) و(بانامسات) والبتروكيميائية مع (شيفرون) و(دوبون) و(انرون) و(مونسانتو) اضافة إلى قطاعات المنتجات الزراعية الغذائية مع (كارغيل) و(كوكاكولا) والمواد الصيدلية مع (فايزر) . غير ان هذه الزيارة رغم أهميتها والحشد الكبير من ممثلي الشركات التي ضمها, غير قادرة على تجسيد الطموحات الأمريكية في الوقت الراهن على الأقل. فـ (ديلي) لا يحمل في جعبته الكثير ليقدمه للدول الأربع التي سيزورها, سواء كان ذلك بشكل مساعدات اضافية تطالب بها هذه الدول, أو على صعيد فتح الأسواق الأمريكية أمام منتجاتها. وعلى سبيل المثال لا يزال التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وافريقيا متواضعا جدا, إذ يبلغ حجم الواردات الأمريكية من القارة السوداء (16,4 مليار دولار) فيما لم تتعد قيمة الصادرات الأمريكية الـ (6 مليارات دولار) في العام 1997. أما حصة السوق الأمريكية في التجارة مع افريقيا فلا تمثل سوى (6,7%) وهي تأتي بعد الاتحاد الأوروبي (30%) واليابان (7,2%). وبين الدول الأربع التي ستشملها جولة وزير التجارة الأمريكي تعتبر جنوب افريقيا الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة في افريقيا, علما بأن الصادرات الأمريكية إلى هذا البلد بلغت حوالي ثلاثة مليارات فقط في العام 1997. بينما لم تتجاوز الصادرات الأمريكية لساحل العاج (150,7 مليون دولار). أما نيجيريا وكينيا فإن الصادرات الأمريكية بلغت على التوالي (500 مليون دولار) و(225,6 مليونا) في العام نفسه. هذا في حين بلغ اجمالي الصادرات الأمريكية من السلع والخدمات في العالم (937 مليار دولار) في 1997. وتتلخص فكرة واشنطن في كيفية النهوض بالوضع الاقتصادي في القارة الافريقية في التركيز على التجارة وتنمية الاستثمارات في دول القارة وذلك بدلا من الاعتماد على المساعدات الرسمية المخصصة للتنمية. وعلى النقيض من ذلك تعتبر فرنسا انه لا غنى بعد عن المساعدات لتمويل البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية الضرورية ولبناء دول افريقية قوية تكون ضمانة للاستقرار. وفي هذا المجال تحقق فرنسا على المدى القريب أفضلية نسبية, بالنظر إلى حاجة معظم الدول الافريقية إلى المساعدات لرفد اقتصادياتها المتداعية. ويبدو ان معظم الزعماء الأفارقة يحبذ هذه المساعدات التي بلغت (3 مليارات دولار) عام 1997 من فرنسا وحدها. وقد اتضح ذلك جليا في القمة الفرنسية الافريقية حيث أبدت الدول الافريقية الناطقة بالفرنسية خشيتها من تقلص هذه المساعدات في حضور الدول الأخرى الناطقة بالانجليزية والبرتغالية في القمة. غير انه على المدى البعيد لا يمكن أن تحل المساعدات مشاكل افريقيا سيما في ظل عدم الاستقرار والحروب الأهلية والنزاعات بين دولها. فهذه الحروب تستنزف الميزانيات المتواضعة لمعظم هذه الدول, وتعرقل عمليات التنمية وتبعد المستثمرين الأجانب. وعلى سبيل المثال يشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن في تقريره السنوي لعام 1998 ان أكثر من ربع مجمل الدول الـ (44) في المنطقة تورط في نزاعات مسلحة لا تبدو النهاية قريبة للكثير منها. فقد اندلعت حروب حدودية بين اريتريا واثيوبيا في مايو 1998 قبل أن تمتد إلى السودان في منتصف يونيو 1998. وذكر المعهد انه في جنوب غرب السنغال تجددت مطلع 1998 حركة التمرد الانفصالية في كازامانس التي بدأت منذ 15 عاما, في وقت بدأ فيه قسم من الجيش في غينيا بيساو تمردا في يونيو الماضي. ولاحظ المعهد انه بالرغم من اتفاقات السلام الرسمية ووقف اطلاق النار فإن المعارك قد تواصلت في النزاعات الداخلية في انجولا وليبيريا وجمهورية افريقيا الوسطى والتشاد وجمهورية الكونغو ــ برازافيل وجمهورية الكونغو الديمقراطية. كما استمرت المعارك في جنوبي الصومال والمواجهات العنيفة بين القوات الأمنية الحكومية والأقليات في كينيا وجزر القمر وغينيا الاستوائية. وحسب تقدير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية فإن منطقة افريقيا جنوب الصحراء أنفقت في عام 1997 حوالي (8,8 مليارات دولار) في قطاع الدفاع بزيادة بسيطة عن العام السابق, وهذا المبلغ يشكل 3,3% من الناتج الداخلي الخام الاقليمي. وأدت التكاليف العسكرية المباشرة لامتداد النزاعات الداخلية إلى زيادة النفقات بـ (800 مليون دولار) على الأقل. وتمثل جنوب افريقيا أكثر من ربع مجموع النفقات العسكرية في المنطقة تليها نيجيريا بنسبة 20%. ولاحظ التقرير وجود تجارة كبيرة شرعية وغير شرعية في المنطقة للأسلحة التي تعاد صيانتها بعد أن استخدمت في مناطق نزاعات سابقة. ففي عام 1997 صدرت جنوب افريقيا معدات عسكرية إلى الكونغو ــ برازافيل وتوغو واريتريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا ورواندا. في حين تبقى روسيا المزود الرئيسي للقوات الحكومية في انجولا, بينما تقوم دول أخرى من أوروبا الشرقية بتزويد قوات يونيتا المعارضة بالأسلحة. واستخدمت كلا من تشاد وتنزانيا كوسيطين في عام 1997 لبيع الأسلحة الصينية إلى السودان وافريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبورندي بالاضافة إلى متمردي الهوتو في رواندا وبوروندي المتمركزين في كينيا. وتدرك كل من فرنسا والولايات المتحدة أهمية الاستقرار في افريقيا كما تشاطران الأمم المتحدة رغبتها في وضع حد للنزاعات الأهلية, غير انهما تختلفان في طريقة تحقيق ذلك. ففي حين تفضل الولايات المتحدة التي لا تريد أن تتورط بشكل مباشر في افريقيا, قيام نظام أمني يضمنه الأفارقة أنفسهم بمساعدة لوجيستية ومالية دولية. واقترحت في السابق تشكيل قوات افريقية لحفظ السلام في القارة. فإن فرنسا ترفض ذلك وتفضل بدلا منه القيام بعملية اعادة انتشار لقواتها في افريقيا والمشاركة بشكل مباشر في تعزيز القدرات العسكرية الافريقية وحل النزاعات. كما تشجع وخلافا للولايات المتحدة تدخل المنظمة الدولية عبر منظماتها الاقليمية الفرعية والمساهمة في حل النزاعات والحروب الأهلية في افريقيا. وهذا الاختلاف في مفهومي الأمن كما في مفهومي الاصلاح الاقتصادي بالنسبة للفرنسيين والأمريكيين ليس شكليا كما يبدو, فهو يجد تفسيره في مخاوف فرنسا من ارخاء قبضتها في افريقيا, في الوقت الذي تجد فيه واشنطن السير قدما وتشق طريقها بعزيمة كبيرة في مجاهل هذه القارة. ومع ان الهدف الأمريكي في الوقت الحالي لا يبدو انه السيطرة على زمام الأمور في افريقيا. فبإمكانياتها الدبلوماسية والسياسية وقلة خبراتها في الشؤون الافريقية يجعلها تحتاج باستمرار إلى وجود الفرنسيين ومساعداتهم. بيد انها ترمي من جهة أخرى إلى تشجيع الأفارقة على الاعتماد على أنفسهم, وفك حبل المشيمة عن فرنسا. أي ان الهدف الأمريكي المرحلي يتمثل في اضعاف النفوذ الفرنسي في القارة السمراء تدريجيا, وفي الوقت نفسه تعزيز التواجد الأمريكي وصولا إلى الهيمنة الشاملة. وذلك بالضبط كما حدث مع التركة البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية, حين أخذت القوة الجديدة ــ الولايات المتحدة ــ تزحف وبهدوء على مواقع ومناطق النفوذ الانجليزي في العالم وتنتزعها واحدة بعد أخرى, في ظل غضب بريطانيا المكتوم في بداية الأمر ثم تسليمها بالواقع والرضوخ له. وهذا هو أكثر ما يخيف الفرنسيين ويقلقهم, ويجعلهم يتشبثون بمواقعهم في القارة الافريقية, بل ومد تواجدهم إلى الدول غير الناطقة باللغة الفرنسية. ولكن هل ستستطيع فرنسا أن تتفادى المصير البريطاني, وتحول دون خروجها النهائي من مستعمراتها القديمة في افريقيا, هذا ما يبدو ان باريس تجهد نفسها حاليا في سبيله مع خيارات ليست كثيرة في أيديها. * صحافي بحريني