في الجلسة الاستثنائية التي عقدها المجلس المركزي الفلسطيني في تونس, في أكتوبر ,1993 لمناقشة (اتفاقية أوسلو) , بعد أن كان قد تم التوقيع عليها في13سبتمبر1993في احتفال تلفزيوني مثير في حدائق البيت الأبيض الأمريكي, كان لي مداخلة مفصلة في تفنيد تلك الاتفاقية , دفعت ياسر عرفات إلى مقاطعتي أكثر من مرة مما ساهم في تصعيد حدة النقاش وتدخل رئيس المجلس لتهدئة الأجواء والمضي في الجلسة إلى نهايتها التي كانت معروفة سلفا. ومع أني تمكنت من قول ما أردت قوله, وابداء كل ما كان لدي من أسباب لرفض الاتفاقية وللتحذير من ابرامها, الا انني, بعد انتهائي من هذه المداخلة, تمنيت بيني وبين نفسي, وللمرة الأولى في تجربتي السياسية الممتدة عبر ثلاثين سنة, أن أكون مخطئا فيما طرحته من رأي وتحليل, وأن يكون في هذه الاتفاقية ما رآه غيري أو تهيأ له انه يراه من امكانيات تكفل تحقيق الحلم الفلسطيني في الوصول إلى حل مقبول يضمن الحقوق الوطنية الأساسية لشعب فلسطين كما حددتها وعرفت عليها قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدءا من العام ,1974 وأقرتها الأكثرية الساحقة من الدول الأعضاء باستثناء اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية, وهي الحق في العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني. في اليوم التالي لتلك الجلسة, وكنت قد قدمت استقالتي من عضوية اللجنة التنفيذية انسجاما مع موقفي ومقتضيات الأصول الديمقراطية, رحت لزيارة (أبو عمار) مستأذنا بالسفر ولالقاء تحية الوداع. وبعد تبادل كلمات مقتضبة حول الود والخلاف في الرأي أعربت له عن تمنياتي بالتوفيق وأن تحمل له الأيام المقبلة عكس ما أتوقع من مطبات وخيبات أمل. وكان آخر ما قلته والكفان متشابكان: (لن أقول وداعا وإنما إلى اللقاء, لاننا ما زلنا متفقين على الهدف وان اختلفنا على سبيل تحقيقه, وأعدك أنه في حال نجاحك سآتيك معتذرا معلنا سقوط رأيي وصدق نبوءتك) . وأكدت له بأني سأباشر منذ تلك اللحظة دوري السياسي الجديد من موقع المعارضة لقيادته, وانه عليه أن يتكئ على هذه المعارضة ويستفيد منها في مفاوضاته كما تفعل القيادة الرسمية الاسرائيلية مع معارضيها. مر على هذا الكلام قرابة الخمس سنوات, هي المساحة الزمنية التي تم الاتفاق عليها كمرحلة انتقالية ليليها فورا التفاوض حول الوضع النهائي وحسم الأبعاد المفصلية للقضية, وهي كما حددها النص: (القدس, اللاجئون, المستوطنات, الترتيبات الأمنية, الحدود, العلاقات والتعاون مع جيران آخرين, ومسائل أخرى ذات الاهتمام المشترك) . وقضينا هذه السنوات الخمسة ونحن نرصد يوميا ما يجري على الأرض ومقارنته بما هو مكتوب على الورق, دونما أي توقف عن التعليقات النقدية للمسيرة الدائرة ودون أن ننسى لحظة بأن تناقضنا الأساسي مع اسرائيل, وانه لا يجوز أن نعطيها أية فرصة للافادة من معارضتنا للسلطة وللنهج الأوسلوي ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. ويا ليت السلطة عاملت هكذا معارضة بالمثل, وليت ولو جزءا مما كانت تقترحه عليها لتصحيح أدائها ودرء الشبهات عن سمعتها من السلوكيات المعيبة التي مارسها العديد من أركانها والمنتفعون منها. والآن ونحن على عتبة مفاوضات الحل النهائي, نعود لما كنا قد أخذناه على هذه الاتفاقية عشية توقيعها لنفحص مدى صوابيته أو خطئه على ضوء الواقع الراهن, وملابسات مذكرة (واي بلانتيشن) . في الشكل أخذنا على الاتفاقية خلوها من أية مبادئ رغم تسميتها بـ (اعلان مبادئ حول ترتيبات الحكومة الذاتية الانتقالية) . إن غياب أية اشارة عن الأساس القانوني الذي تستند إليه هذه الاتفاقية, أو المرجعية التي يمكن العودة إليها في حالة الخلاف أثناء التفاوض, أو الالتزام بالحقوق البديهية للشعوب والدول, وغير ذلك من المبادئ, كان أحد أخطر الثغرات التي استفادت منها اسرائيل وهي تسوف وتؤجل في الوفاء بما يتعلق بها, فانقضت الفترة الانتقالية بكاملها وما زالت اسرائيل متلكئة في تنفيذ بنود مضى على موعدها سنتان أو أكثر. كما حذرنا من خطورة الوهم بأن ايراد الاشارة عن القرار 242 كما جاء في النص يجعل منه مرجعية قانونية بما يضمن تنفيذ ذلك الجزء الذي يدعو للانسحاب من الأراضي التي يتم احتلالها بالقوة. النص يقول إن (من المفهوم ان الترتيبات الانتقالية هي جزء لا يتجزء من عملية السلام بمجملها وأن المفاوضات حول الوضع الدائم ستؤدي إلى تطبيق قراري مجلس الأمن 242 و338) . إن ما لم نستطع ايصاله عبر القراءة النظرية لهذا النص وهو ان (نتيجة) المفاوضات أصبحت هي المرجعية وليس القرار الدولي, جاءت الأيام لتكشفه, بعد أن أقدمت اسرائيل على ضم ما ضمته من أراض في القدس والضفة وما أقامته من مستوطنات جديدة وما تم توسيعه من القديم حتى بات الحديث عن (اعادة الانتشار) لا الانسحاب الناجز يقاس بالأمتار والأشبار, تصنف الأراضي إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج) !! وما قلناه يومئذ انه حتى لو تجاوزنا مسألة النص المشار إليها بشأن هدف المفاوضات, فإن المواد الأخرى في الاتفاقية وقبول المفاوض الفلسطيني بتجزئة الحل إلى ثلاث مراحل, في غزة ــ أريحا أولا, فمرحلة الحكم الذاتي في الضفة وغزة ثانيا, وأخيرا مرحلة الحل النهائي, إنما يعني قبول الالغاء العملي للوصف القانوني لـ (الأراضي المحتلة) واستبدال مرجعية القرارات الدولية بمرجعية تفاوضية ملزمة عنها بتعاقد ثنائي. أي ان الاتفاقية أسقطت الضمان القانوني الذي يحفظه القانون الدولي لـ (الأراضي المحتلة) بعد أن حولتها الاتفاقية التعاقدية إلى (أراض متنازع عليها) . أو ليس قبول القيادة الفلسطينية بالمبادرة الأمريكية حول اعادة الانتشار من نسبة 12% أخرى من الضفة, واصرار نتانياهو على ما مساحته 9% وتضييع أكثر من سنة من المرحلة الانتقالية, ما يؤكد حقيقة التحول في الوصف القانوني للأرض الذي حذرنا منه في حينه؟ فحتى هذه اللحظات لم يقبل الاسرائيليون (الانسحاب) من أريحا ـ المنطقة, واكتفوا بأريحا ـ البلدة مع شريط رقيق حولها, كما انهم لا يزالون في 40% من أراضي غزة, ويتمنعون اليوم عن تنفيذ ما ورد في مذكرة (واي بلانتيشن) . هذا وما زلنا في المرحلة الانتقالية التي وان انتهت رسميا أو كادت, ولا ندري ماذا سيبقى من الضفة أو القدس عندما تأزف ساعة التفاوض حول الوضع النهائي لنحيله إلى القرارين 242 و338. ربما يجدر بنا أن نتوقف هنا قليلا للتذكير باللغز الذي كان وراء انتقال المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية من العلانية إلى السرية ونقل مسرحها من واشنطن إلى أوسلو. قد يسوق البعض أسبابا كثيرة لهذه النقلة, ولكن أهمها هو الموقف الفلسطيني آنئذ من مسألة المستوطنات, واصرار (حيدر عبدالشافي) على رفض الدخول في صميم المفاوضات إن لم تعلن اسرائيل عن ايقاف أية نشاطات من شأنها تغيير الأوضاع على الأرض ولا سيما بناء مستوطنات جديدة. هناك في أوسلو تم اغتيال هذا الموقف الاستراتيجي وكان بعد ذلك ما كان. والآن بعد خمس سنوات نتساءل عما أوصلنا إليه هذا التهاون عندما قبلنا بتأجيل أهم أبعاد القضية إلى المرحلة النهائية دون الحصول على ضمانات بأن لا يتم أي عبث ميداني خلال الفترة الانتقالية! القدس تم تهويدها, واللاجئون ترك أمرهم لمجموعة اللاجئين في المفاوضات المتعددة الأطراف التي لا تملك الحق بأي بحث سياسي حول هذا الموضوع. أما الترتيبات الأمنية, فكان الاسرائيلي منها هو شغل حكومة نتانياهو الشاغل منذ وصوله إلى الحكم بينما لم يتخذ أي ترتيب أمني يتعلق بالفلسطيني أو بممتلكاته, فتم تدمير أكثر من ستمائة منزل وتشريد حوالي عشرة آلاف إنسان. وهناك مسألة الحدود التي سلبت منها الممارسات سلفا غور الأردن بكامله, ولم يبق للضفة أي تماس مع الشطر الآخر للنهر وهو ما تم تكريسه للأسف في اتفاقية وادي عربة دون أن يثير ذلك اهتمام أحد ولو من قبيل تسجيل الموقف. وإذا كان الغموض يسود معظم بنود الاتفاقية فلقد تم تفسيره وفق القراءة الاسرائيلية كما كان متوقعا, باستثناء مادة واحدة جاءت واضحة كل الوضوح هي الثامنة وتنص على انه (من أجل ضمان النظام العام والأمن الداخلي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة, سينشئ المجلس قوة شرطة قوية, بينما تستمر اسرائيل في الاضطلاع بمسؤولية الدفاع ضد التهديدات الخارجية, وكذلك بمسؤولية الأمن الاجمالي للاسرائيليين بفرض حماية أمنهم الداخلي والنظام العام) . أي ان مهمة الشرطة الفلسطينية الأساسية ستكون مقصورة على تأمين ما سمي (نبذ الارهاب والعنف وتأديب المخالفين) , وذلك كما ورد في رسائل الاعتراف المتبادل بين رابين وعرفات. وهكذا كان ولا يزال. من المؤلم أن نقر ونعترف بمدى التزام السلطة الفلسطينية بتنفيذ هذا البند رغم ما تطالب به اسرائيل يوميا من ضرورة مضاعفة نشاطها وقمع المعارضين لنهج أوسلو. وبدلا من الاحتفال بتحرير الخمسة آلاف معتقل من أبناء المقاومة الفلسطينية بمناسبة التوقيع على مذكرة (واي بلانتيشن) , نرى والأسى يفتك بنا انه أضيف لهؤلاء الخمسة آلاف مئات جديدة من المعتقلين, ولكن في سجون السلطة هذه المرة لا في سجون العدو. ولسنا بحاجة للاشارة إلى المادة الحادية عشرة من الاتفاق والمعنونة: (التعاون الاسرائيلي ــ الفلسطيني في المجالات الاقتصادية) , لان ما برز في الواقع الميداني فاق في سوئه وشروره ما كان مكتوبا على الورق. وباختصار يمكن القول بكل صراحة بأن ما يسمى باقتصاد مناطق الحكم الذاتي ليس سوى اقتصاد تبعي مئة بالمئة للنظام الاقتصادي الاسرائيلي. ولما كان (التعاون مع جيران آخرين) من البنود المعلقة للحل النهائي فإن هذه السلطة عجزت عن بناء أية سياسة اقتصادية مع الأشقاء العرب الذين صاروا يسمون بـ (الجيران) , لأن مثل هذه السياسة تهم اسرائيل ولها ما تقوله فيها, ما تقبله وما ترفضه. ونسأل عن غير المؤجل من البنود, مثل عودة النازحين, والتي ورد نص معني بهم, واشارة إلى لجنة رباعية ترعى انجازه. بعد خمس سنوات, وصدق أو لا تصدق, ما زالت هذه اللجنة تبحث في كيفية ايجاد (تعريف) لكلمة نازح يتم الاتفاق عليها بين أطراف اللجنة الأربعة. وبعد عشر جلسات, ويقال ثماني فقط, توقفت اللجنة عن الاجتماع بعد أن خجلت من عبثها, ولحق النازح اللاجئ, ولم تعد أوسلو واتفاقيتها نازحا واحدا, وان كان البعض يحاول تجيير عودة عدد يسير من العائلات من المسجلين قبل الاتفاقية على لوائح (جمع الشمل) لصالح الاتفاقية. هذا ما حصدناه من اتفاقية أوسلو وما تلاها من اتفاقيات وصولا إلى (واي بلانتيشن) . وليس أمام السلطة الفلسطينية الآن سوى الانتظار.. انتظار نتائج الانتخابات الاسرائيلية المقبلة ما بعد الرابع من مايو موعد الاشاعة عن عزم السلطة على اعلان قيام الدولة الفلسطينية! إن مايو لناظره لقريب, ويا ليت نتانياهو يسقط لتتأكد السلطة ومعها الكثير من العرب المستعربة بأن المشكلة ليست في اليمين الصهيوني وإنما بكل ما هو صهيوني. ما أشبه هذا الانتظار بالاحتضار.