في دنيا الكتابة والتنظير مازلنا نصر على أن المدرسة هي المؤسسة التربوية والتعليمية الاولى في المجتمع, وفي الطريق النظري نفسه نحمل المدرسة العبء الاول في تأسيس البناء الاخلاقي والسلوكي لابنائنا, بينما واقع الامر يؤكد على ان دور المدرسة قد تراجع للمرتبة الأخيرة في العملية التربوية التي تناثرت بدورها مع رياح الفضائيات وكرنفالات العولمة, ومفاهيم الحرية الخاطئة . يوم قدمت المدرسة نفسها للمجتمع على انها بدايته الحقيقية نحو آفاق رحبة من الوعي والمعرفة وتفتيت الجمود وانعاش رغبة التغيير, يوم كانت المدرسة بكل ركائزها (المعلم ــ الادارة ـ المنهج) اداة الربط المثلى بين الامس واليوم والغد, فانها تمكنت من تجسير الهوة بينها وبين كل الذين احتموا بفصولها وعشقوا طباشيرها وساحاتها ومقاعدها العتيقة يومها ــ وكان ذلك منذ زمن مضى ــ تمكنت المدرسة من اقناع المجتمع بأهميتها وبدورها, فتمتعت بقدسية غريبة في اعماق الكبار وبرهبة واحترام في نفوس الصغار. اليوم تقدم المدرسة نفسها بشكل يتلازم ويتلاءم مع عصر العولمة, ولا يمل القائمون عليها الحديث عن تطوير البناء المدرسي ليتلاءم مع نفسيات الطلاب واحتياجاتهم, مع ان احتياجات الطلاب اهم واكبر من البناء المدرسي. ثم هذا الحديث الذي لا ولن يتوقف عن الكراسي والطاولات والثلاجات والحافلات المدرسية وتجهيزات المختبرات العلمية (اللغوية اصبحت في خبر كان) واجهزة الحاسوب وحتى الطباشير وعمال النظافة ومطهرات الحمامات اصبحت بنودا هامة عند مناقشة الخطط التطويرية للمدارس, وكل ذلك مطلوب, لكنه ليس في مقام الأولويات لو نظرنا لحجم الدمار السلوكي والتعليمي الذي يعاني منه ابناؤنا. وفي الآونة الأخيرة اجتمع (خبراء) الوطن مع (خبراء) من خارج المناخ العربي للقيام بعملية تقويم أو تقييم ـ اختاروا ما تشاؤون ـ المناهج المتبعة في مدارس الامارات, وقد تم بحمده تعالى ـ الانتهاء من هذه العملية القومية التي تقترب من عمليات المراجعة القومية الشاملة, بسبب خطورتها وأهميتها الموازية لخطورة الأمن القومي في مدة لا تتجاوز الاسبوعين, فهل يعقل هذا أيها التربويون؟! ماذا بإمكاننا ان نقول بعد كل هذه التفصيلات (التربوية) التي تعج بها الساحة الواسعة التي تتحرك عليها وزارة التربية والتعليم, وتحديدا ميدانها الأخطر والأهم: المدرسة؟ هل فعلاً ما زالت المدرسة (الحكومية) بالذات, تحتفظ لنفسها بمكانة ما في وعي وعقول الكبار والصغار في المجتمع كما كانت في السابق؟ هل مازالت قادرة على اقناعهم بأنها المحض الثاني للسلوك والاخلاق والتعليم بعد الاسرة؟ هل هي كذلك فعلا اذا قمنا بتقييمها بشكل موضوعي وعملي يرتكز على حقائق الميدان والارقام؟ أظن اننا لن نختلف على الاجابة النافية للأسف. سيعترض اهل التربية مدافعين عن ميدانهم الذي يعكفون نهاراتهم في تعديل اوضاعه, وحقنه بكل ما يلزم من المنشطات والمقويات, ولن نتركهم يعترضون كثيرا, لكننا سنسألهم: لماذا يسجل اكثر من 80% من مسؤولي التربية وموظفيها والمعلمين فيها ابناءهم في مدارس خاصة اذن؟ سؤال تختفي في اجابته كل مصائب التربية والتعليم!