بما أن هناك 200 الف مصاب بالسكري في الدولة, يشكلون10%من مجموع السكان, وبما ان هؤلاء منتشرون في مختلف المدن, فالمفروض اننا حيثما ذهبنا وسرنا نجد شوارعنا وطرقنا وبيوتنا وسياراتنا واشجارنا وكل ما تقع عليه عيوننا حلوا, ومن شدة الحلاوة أن تنافس الكنافة النابلسية وزنود الست وام علي, بفضل هؤلاء السكريين وببركتهم . وربما ان هناك من اذهله الرقم الكبير لهؤلاء (الحلوين) , ففكر في فتح مصنع للسكر, لا لتزويد هؤلاء به, بل لكي يأخذ منهم حاجته للمصنع من مادة خام, يقوم بتكريرها ليستخرج منها السكر بأنواعه, من دون حاجة لاستيراد نبات القصب أو البنجر أو السكر الخام, وبما يكفي للسوق المحلي وزيادة, طالما ان هناك 200 الف خلية سكرية. غير ان هؤلاء لم يأخذوا من الاسم سوى المرض, وهم أبعد ما يكونون عن السكر والحلو بأنواعه, وافضل واحد فيهم هو الذي لم يفقد وزنه بعد إلى حد اللحم على العظم وبانفتاخ العينين واصابع القدمين, ما يجعله شبيها في احسن صورة بالمخلوق الفضائي العجائبي في الفيلم الشهير (أي. تي) , فكيف يمكن للمصاب بالسكري أن يبقى حلوا وحياته كلها مرارة؟ هذا المريض الذي عليه ان يعيش بقية عمره مع المرض, وان يؤاخيه ويصادقه, مهدد بألف علة وعلة, من غبش الرؤية إلى فقدان البصر مرورا بعدم التئام الجروح في القدمين فالبتر, وليس انتهاء بمضاعفات في الكلى والجلد والاعضاء التناسلية والقلب والدم, مما يجعله يقضي عمره على حد السكين فعلا, بين متطلبات معيشته من مأكل ومشرب وطاقة للعمل والحركة, وبين متطلبات مرضه من حمية ورعاية وعناية خاصة, في توازن دقيق مستمر, اي خلل فيه معناه القضاء على حياته. طبعا التوعية بخطورة المرض وارتفاع نسبة الاصابة به بين مختلف فئات المجتمع وشرح اعراضه, كل ذلك مطلوب ومهم, حسبما تنوي وزارة الصحة القيام به من خلال جمعية لمرضى السكري داخل الدولة, وهو المشروع قيد الدراسة في الوزارة على ما قرأنا مؤخرا, غير ان الاهم منه انشاء مراكز متخصصة لعلاج مرضى السكري, بواقع مركز على الاقل في كل امارة يتردد عليه المرضى, دون حاجة إلى مواعيد وانتظار واجراءات ادارية, للحصول على العلاج والنصح والارشاد, في الوقت نفسه الذي يتحقق فيه عنصر الرقابة عليهم من قبل اطباء متخصصين لتجنيبهم مضاعفات المرض, وبالتالي زيادة عدد الوفيات بينهم وارتفاع تكلفة العلاج. وربما ان مسؤولا أو اكثر في الوزارة, أو طبيبا أو اكثر, حاججونا بأن عدد المصابين لا يستوجب حتى الآن فتح مثل هذه المراكز المتخصصة لهم, فنفهم منهم انهم ينتظرون ارتفاع الرقم إلى مليون مثلا, لان نسبة 10% من السكان مرضى بالسكري قليلة في نظرهم, ما نعده منطقا مرفوضا, لان من عنده هذه النسبة من السكان يستطيع ان يقيم عليها مشروعا تجاريا ناجحاً, وهو ما اعتقد ان شهية قراء تنفتح عليه, فيفكر احدهم في صيدلية متخصصة لمرضى السكري مثلا, ويفكر آخر بخدمة ارشاد هاتفي لهم لا يكلفه سوى خط تليفوني وانترنت, ويفكر ثالث بمطعم متخصص للوجبات التي تناسب مريض السكري, فيكون كل مشروع من هذه منجم ذهب ويكون مرضى السكري آخر حلاوة فعلا.