تتراجع الأزمة العراقية سريعا وبخطوات متلاحقة الى النقطة صفر التي كانت قد بدأ عندها عام 1990 عندما دارت رحى حرب لا تزال توابعها تؤثر على شعوب المنطقة كافة. وردود الفعل العراقية تلك المرة جاءت خاطفة كأنما يريد العراق أن يخرج كل ما في جعبته من تصعيد دفعة واحدة بعد أن صبر ثماني سنوات جرت خلالها عمليات تفتيش دولية تعد بالآلاف , لم تترك شيئا حتى القصور الرئاسية بحثا عن الاسلحة الكيماوية والبيولوجية. ولجوء بغداد الى التهديد بوقف العمل بكافة القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن بعد حرب الخليج الثانية ورفض العمل باتفاق ترسيم الحدود مع الكويت والتلميح مرة أخرى بأن الكويت كانت جزءا من العراق, قد يبدو وكله منطقيا لو أنه اعتبر في إطار الضغط الدبلوماسي وتنفيس عن حالة غضب عابرة وليس قناعات أو ثوابت راسخة لدى النظام. فالشعب العراقي يكتوي منذ ثمانية أعوام بعقوبات اقتصادية لا ترحم وكل يوم تمتد فيه تلك العقوبات يزيد من قلق النظام الحاكم ويزيد من خوفه على مصيره. إلا أن الحادث هو أن بغداد بهذا الضغط الدبلوماسي المفترض قد خسرت كل ما كسبته أثناء وبعد الضربات الصاروخية الامريكية والبريطانية الأخيرة. فلقد حدث تعاطف شعبي عربي واسع مع معاناة العراقيين, وألقت دول عدة في العالم صراحة أو بالتلميح بمسؤولية ما حدث على لجنة التفتيش الدولية على أسلحة الدمار الشامل العراقية ورئيسها ريتشارد باتلر والذي طالب البعض باستقالته بعد إتهام اللجنة بالتجسس لصالح واشنطن وتل أبيب. وفجأة تنقلب بغداد على الجميع وتشن حملات اعلامية على مصر والسعودية والكويت وتدعو شعوب المنطقة للانتفاضة على قادتها. ونتيجة لهذه المواقف الفجائية من النظام الحاكم بالعراق حدث إستياء دولي واتحاد في موقف دول مجلس التعاون الخليجي في اجتماعهم بالرياض. وفي النهاية لن يتضرر أحد من مواقف نظام صدام المتشنجة إلا الشعب العراقي.