هناك دول عربية تسعى جادة لتنظيم الفوضى السياسية العربية المشاهدة اليوم في العلاقات العربية ــ العربية والتي تكاد تعصف بأي أمل قريب لتضامن عربي, وهناك دول أخرى تصر على (فوضوية) النظام وتفعل المستحيل لاستمرار هذه الفوضى . الأولى منها الكويت التي تسعى لعودة علاقاتها العادية مع دول عربية عديدة كانت إلى وقت قريب تطلق عليها الصحافة دول الضد. ولقد بدأت نهجا جديدا في التعامل مع هذه الدول ومن أهمها الأردن, وقد كان التحرك السياسي الكويتي في الاسبوع الماضي والرسالة التي بعث بها الشيخ سعد العبدالله ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء إلى نظيره الأردني ولي العهد الأمير الحسن بن طلال تنم عن تلك الروح الكويتية التي تسعى جادة لتنظيم هذه الفوضى, كذلك يضاف إليها هذه الاجتماعات العربية الحثيثة للنظر في عقد اجتماع تشاوري لوزراء الخارجية عله يخرج بشيء عقلاني لرأب الصدع العربي, تشارك فيه كل من السعودية ومصر وسوريا مع دول أخرى تحملا للمسؤولية التاريخية الملقاة على الضمير العربي. في الجانب الآخر, هناك دول عربية أخرى على رأسها العراق تريد أن تزيد من فوضى النظام العربي أكثر مما هو عليه من فوضى, فهي تنتهز كل مناسبة لتخلق الاضطراب وتدعو إليه عن طريق الدعوة إلى الانقلابات والثورات على رؤوس الأشهاد. إن الخلاف القديم بين مدرستين: مدرسة تحبذ توسيع قاعدة الأصدقاء, ومدرسة تجيد خلق الأعداء, مدرسة تعرف معنى الاستقرار والتعاون وأهميته لتقدم الشعوب, وأخرى ترى استمرار الفوضى وخلق الأزمات المتتابعة هو الطريق إلى بقاء النظام. فبعد تعاطف نسبي من قطاعات من الشعب العربي لما جرى للعراقيين في أوائل رمضان وخروج بعض المظاهرات في أكثر من مكان من البلاد العربية تعبيرا عن ذلك التعاطف ضد الحملة العسكرية الأمريكية ــ البريطانية المشتركة, ظهر صدام حسين مساء الثلاثاء الماضي في عيد الجيش العراقي في برنامج تلفزيوني معد مسبقا ليردد نفس الأقوال السابقة والتي عفى عليها الزمن, ويطالب الشعوب العربية بقلب أنظمة الحكم لانها (متواطئة ومدلسة كالشيطان الأخرس) , ويطالب أيضا (شباب وشابات العوائل الحاكمة بتصحيح الانحراف) , كما يفرق في أقاليم الدول العربية كما يشاء وكأنه يريد أن يقسمها على هواه بين نجد وحجاز! هناك سببان وراء هذه الثورة العراقية اللفظية العارمة من صدام حسين, الأول المطالبات المتكررة التي ظهرت في أوساط عربية بالدعوة للحريات واشاعة الديمقراطية في العراق, والسبب الثاني الدعوة الأخرى للتفريق بين النظام العراقي من جهة ومعاناة العراقيين من جهة أخرى وعدم ربط السبب بالنتيجة, لأن الجزء الأكبر في معاناة الشعب العراقي يعود سببه للنظام العراقي نفسه. الدعوتان أثارتا غضب الحاكمين في بغداد إلى درجة شن تلك الهجمة الشرسة من أعلى سلطة عراقية بعد أن بدأتها بعض الأقلام العراقية الأقل شأنا مثل طارق عزيز أو الصحاف, لقد قرأ النظام العراقي مرة أخرى وربما للمرة الألف عواطف الجماهير العربية قراءة خاطئة. المعادلة العربية التي بدأت تتضح هي كالتالي: انه لم يعد من الممكن تحت عباءة الدفاع عن الشعب العراقي التسامح مع الدكتاتورية, كما لم يعد بالامكان السكوت عن معاناة الشعب العراقي دون تحديد من هو المتسبب في ذلك. هذه المعادلة التي صارت أوضح وأكثر صفاء لدى خاصة العرب وعامتهم, أثارت الحكم في العراق, إلى درجة انه ضحى بكل ذلك التعاطف الشعبي الأولي, ليجبر الآخرين على أن يقبلوه ويقبلوا أفعاله ويدافعوا عنها لا عن الشعب العراقي. تلك نظرية (فوضوية) التنظيم إن صح التعبير, ففي الوقت الذي يبحث العرب فيه عن مخرج من أجل تنظيم الفوضى في صفوفهم, يأتي النظام العراقي لزيادة هذه الفوضى, وهل هناك أكثر من هذا التوجه الفوضوي عندما يقول صدام حسين في خطابه المطول والمشار إليه آنفا (ان أصروا على الباطل (العرب) ينبغي بل ويجب أن نضع سيوف الجهاد في رقابهم) فعن أي سيوف يتحدث غير سيوف الارهاب التي يهدد بها كل العرب قاطبة إن لم يسيروا في مساره ويخضعوا لمطالبه, وعن أي رقاب يتحدث غير رقاب العرب بعد أن شبع من رقاب العراقيين؟ بغداد كانت تريد أن تعظم من ردود الفعل التي انتابت العرب من جراء الحملة العسكرية التأديبية, وقرأت تلك النشاطات العربية كالعادة قراءة خاطئة وجاءت الهجمات الاعلامية والخطابية العراقية كي تأكل بقية ما للنظام العراقي من تعاطف وصدقية, وتثبت حتى للمشككين في ان النظام العراقي لم يتعلم شيئا يذكر من المآسي التي مر بها ويمكن أن يعود إلى سابق عهده في الغطرسة فملكة التعلم لم يعد لها مكان عنده. في الجانب الآخر فإن محبي التضامن العربي قد استبشروا خيرا بالخطوات الايجابية بين الكويت والأردن وبقية الدول العربية, وهي خطوة مناقضة تماما لما تتخذه بغداد من جمع الأعداء واستثارة المحايدين والطلب من الجماهير الاطاحة بالأنظمة التي لا تسير حسب أهواء القيادة العراقية, والتهديد بالجهاد ووضع السيوف في رقاب المارقين من وجهة نظر النظام, لقد مل العرب الشعار الأجوف الذي يقول بتحرير القدس من خلال الانقلابات في كل العواصم العربية, فذلك شعار لزمن لم يعد هو الزمن الذي نعيش. مرحلة العروبة الحالية التي نمر بها هي مرحلة العودة إلى الناس وتحقيق مطالبهم المعيشية والإنسانية وليس التضحية بهم في أتون الشعارات, والنظام العراقي من أقل الأنظمة احاطة بمزاج الجماهير العربية فهي ترفض توظيف احتجاجها الإنساني كي يتحول إلى دعم للنظام العراقي, كما ترفض حملة التشهير بالقيادات العربية لانها تدرك ان هذه الشقاقات الطويلة لم تفعل أكثر من اضافة مزيد من الملح على جراح الأمة. إن الملف العراقي على كل حال ملف ساخن, لم يعد يخص العراق بل يخص كل العرب, ففي صفحاته الطوال معاناة شعب مغلوب على أمره في ظل نظام لا يرعوي, ولم يعد العرب في مقدورهم أن يروا هذه الفوضى الاعتباطية من استفزاز عراقي وردة فعل أمريكية وهم مكتوفو الأيدي, لان هذه المواقف ستؤثر لاحقا في وضع عربي أوسع يؤدي إلى عدم استقرار في المنطقة, وبالتالي فإن تناول مسألة حيوية كالملف العراقي هو امتحان ثان للعرب يجب عدم البعد عنه أو اعتباره كأن لم يكن بعد محنتهم سنة 1990. يعرف العرب انهم في تاريخهم الحديث لم يمر عليهم موضوع معقد كما يحدث الآن في موضوع الملف العراقي, فلم يعد الأمر خلافا في وجهات نظر, ولا هو تنافس ايديولوجي من نوع ما, لكنه نوع من المرض الخبيث انقسم الرأي العام العربي في تشخيصه حتى فترة التسعينات, ولكن القيادات العربية اليوم والرأي العام المستنير وجد ان هذا الانقسام بدأ يتلاشى باتجاه معرفة سبب المرض وتحميل النظام كل سلبيات أفعاله لشعبه وللوضع العربي العام. التحرك السياسي الأخير من العقلاء العرب هو محاولة جادة لوضع نهاية حقيقية وعقلانية لهذه الفوضى التي ان استمرت المجادلة فيها والمجاملة على حساب مصالح الأمة فإن نزيفها السياسي سيزداد, ومن المؤمل بعد اجازة عيد الفطر أن تتحرك الساحة العربية لحسم بعض هذه القضايا التي طالت واستنزفت طاقات الأمة, ولعل التحرك المصري ــ السوري الأخير يصب في اتجاه قرار حازم بهذا الشأن. لقد أصبحت القناعة العربية العامة ترى ان القابضين على سدة الحكم في بغداد يفضلون سياسة كبش المحرقة, وهي التضحية بالفرد والدولة في سبيل البقاء في الحكم, ولقد أصبحت التضحيات تفوق أي قدرة لأمة على أن تتحملها, وهي فلسفة فقدت مبرر قدسيتها في التجربة العربية الحديثة بعد أن شوهدت التضحيات العظمى للأفراد يستفاد منها لأجل بقاء نخبة صغيرة من المتنفذين في السلطة. الخطاب الحماسي هو بطبعه خطاب مؤقت مناوئ لحرمة المواطن ومنتهك لحريته, والعرب وهم يستقبلون مطلع القرن الواحد والعشرين مطالبون أكثر من أي وقت مضى باحترام حقوق الفرد والمجتمع وليس الاهتمام بانقاذ نظام يمارس أفظع أنواع العنف ضد مواطنيه, ولا ينسى تذكيرهم ليل نهار بمهماتهم القومية. ولعل هذا يعود بنا إلى الموقف الكويتي الذي يربط عودة علاقته مع أي نظام عربي كان بقضية دفاعه الإنساني عن أسراه الذين ما زالوا في السجون العراقية والمطالبة بعودتهم. لقد اختزلت الكويت كل خلافاتها السياسية ــ وهي دائما كانت مختزلة ــ كي تجعل منها دعما لتلك القضية التي تؤرق شارعها. فالحكومة لا يمكن أن تتجاهل أحزان مواطنيها في الداخل ولا مصير مفقوديها في الخارج, وهي تدرك ان شرعية أي علاقة تقيمها مع أي دولة مستمدة من الموقف الأساسي من هذه القضية, وهو الأمر الذي سوف يحسم علاقتها بالأردن قريبا نحو مزيد من التقارب ونأمل أن يتم هذا الشيء بينها وبين اليمن والسودان على أن يضعا هذا الشرط الإنساني في اعتبارهما.