لم تكن غريبة ولا مستغربة تلك القرارات التي اتخذها الاتحاد البرلماني العربي في دورته الأخيرة بمشاركة سبع عشرة منظمة برلمانية عربية في عمان بصدد العراق, حيث أدان العدوان الأمريكي ــ البريطاني الأخير, وأكد التضامن الفعال مع العراق ضد التدخلات في شؤونه, ودعا الحكومات إلى رفع الحصار عن العراق, وإلى انعقاد قمة عربية للقيام بما ينبغي من أجل العراق, وهذا بعض من مقررات البرلمانيين العرب وليس كلها. وهذه المقررات, هي تعبير آخر عن النبض العربي في ردة الفعل على العدوان الأمريكي ــ البريطاني الذي تعرض له العراق مؤخرا, وانطلقت تحت تأثيراته مسيرات وتظاهرات عمت العشرات من العواصم والمدن العربية والأجنبية, حيث شارك العرب في بلدانهم, كما شاركوا في المهاجر إلى جانب أصدقاء أجانب في ادانة الأعمال العدوانية على العراق. وكان في سياق تلك حملات اعلامية شاركت فيها بنشاط صحف عربية, وحملات مناصرة أقامتها أحزاب وجماعات سياسية عربية ومؤسسات وشخصيات اجتماعية, اضافة إلى حملات للتبرع لدعم العراق نشطت في بلدان عربية وأجنبية مختلفة. والهدف المعلن لهذه التحركات والنشاطات إنما هو في السياق العام الذي جاءت به مقررات البرلمانيين العرب, الأمر الذي يعني وحدة الرؤيا والرأي في الموقف العربي سواء في اطاره الشعبي أو في الهيئة الوسيطة بين الشعب والحكومات العربية وأعني البرلمانيين العرب الذين هم بمثابة مراقبين ومحاسبين على سياسة حكوماتهم, وهم بين من يرسمون سياسات تلك الحكومات وهم حلقة وسيطة بين الأكثرية الشعبية والحكومية, ويمكن القول أكثر مما سبق, ان الاتجاه العام داخل أغلبية الحكومات العربية يتخذ مواقفا متقاربة في ادانة العدوان الأمريكي ــ البريطاني, ويتبنى توجها لرفع الحصار على العراق, وغير ذلك مما تحمله دلالات موافقة سبع عشر دولة عربية على عقد قمة عربية هدفها البحث في الموضوع العراقي, واتخاذ قرارات مناسبة. وتكثف تلك المعطيات تحولا عربيا شعبيا ورسميا في الموقف من العراق وما يعانيه العراق ليس بسبب سياسة الحصار المستمرة منذ ثمانية أعوام ونتائجها المأساوية, بل أيضا بسبب التدخلات الخارجية في شؤونه, والتي لا تقتصر على العمليات العسكرية وآخرها العملية الأمريكية ــ البريطانية الأخيرة, بل بسبب تدخلات أخرى, بينها الاجتياحات التركية المتواصلة لشمال العراق على مدى السنوات الأخيرة, الأمر الذي يهدد العراق ووحدته شعبا وكيانا, ويصل بالتهديدات إلى حد تهديد الأمن القومي العربي كله. وإذا نظرنا إلى هذه المعطيات العربية في الموقف من العراق ومعها معطيات دولية واقليمية رافقت العدوات الأمريكي ــ البريطاني الأخير, ولا سيما موقف دول كبرى منها روسيا والصين وموقف فرنسا, وموقف جارة العراق الكبرى إيران, لأمكن إدراك أن تحولا دوليا واقليميا جديدا يتأسس في النظر إلى العراق وقضاياه في فترة ما بعد حرب الخليج الثانية وفي ضوء ثمار السنوات الثماني الأخيرة القاسية, التي راكمت الضعف للعراق, ومزيد من المعاناة لشعبه, وانسدادات في أفق المستقبل. ويلقي تحول كهذا بصدد العراق عبئا متزايدا على المعنيين بتبديل حال العراق من الدول والجماعات والشخصيات السياسية, لكن العبء الرئيسي ملقى على العراق حكومة وشعبا ومعارضة للاستفادة من هذا التحول للخروج بالعراق إلى آفاق جديدة. وبطبيعة الحال فإن مسؤولية السلطة العراقية في ذلك تبدو مركزية, ليس بسبب مسؤوليتها المباشرة في وصول العراق إلى ما وصل إليه بفعل سياساتها الداخلية ـ الخارجية, وإنما بسبب استمرارها في دائرة الفعل العراقي المباشر وبخاصة في تأثيراتها المباشرة في حالة الشعب العراقي. ومسؤولية السلطة العراقية تكمن في التوظيف الجيد للمعطيات الجديدة المحيطة بالقضية العراقية في المستويات الدولية والاقليمية والعربية, بحيث يصير ما كان قائما في السنوات الثمان الماضية في الماضي فعلا, أو على الأقل الجزء الأساسي منه, وهو انهاء استباحة العراق, وانهاء حالة الحصار عليه, وكلاهما مطلب باتت تتبناه السلطة العراقية على نحو ما هو معلن, لكن الطريق إليه لا يكمن فقط في تصليب موقف السلطة في مواجهة التهديدات الغربية والأمريكية خاصة, وإنما في تصليب موقف الشعب العراقي, باعادة بناء الثقة معه من جانب السلطة التي كثيرا ما اختطت سياسات, وقامت بممارسات زادت الهوة مع الأكثرية من العراقيين بفعل سياسة القمع والارهاب وغياب الديمقراطية والاستئثار بالسلطة, وكانت جميعها بين عوامل جعلت من الأكثرية العراقية مجرد منفعلة بالأحداث والتطورات, لا قوة مشاركة في صنعها, وهو المطلوب شعبيا لاخراج العراق من واقع الاستباحة والحصار وما يتصل بهما. ومسؤولية السلطة العراقية تتجاوز ما تقدم في دورها في تصليب مواقف الشعب العراقي إلى محاولة التأثير على مواقف المعارضة العراقية, والتي وان كان قسم منها موجودا في شمال العراق, فإن قسما آخرا يتوزع في المنافي القريبة والبعيدة من العراق, والمطلوب في هذا المنحى, أن تبدي الحكومة العراقية حدا مقبولا من المصداقية في مواقفها في ابعاد ثلاثة, أولها الموقف الصلب من دول العدوان ومن سياسة الاملاءات, والثاني موقف ثابت في موضوع الانفتاح على الفئات الشعبية, واعطاء العراقيين دورا أوسع في الحياة السياسية والاقتصادية, والثالث تأكيد الانفتاح على المعارضة بفصائلها, وعلى الأقل على الرئيسي والأساسي في تلك الفصائل, والتي لم تتلوث بعد في الاستعانة بالقوى المعادية للعراق والعرب لتحديد مستقبل العراق. ان مستقبل المعارضة وفصائلها المختلفة ــ كما السلطة الحالية في بغداد ــ, أصبح مرهونا بموقفها من القضية العراقية والتي لم تعد قضية النظام الحاكم في بغداد بل هي قضية الشعب العراقي, وإذا اعتبرنا المعارضة ــ وهي كذلك ــ جزءا من الشعب العراقي فإن القضية قضيتها الأمر الذي يتطلب من جانبها أولا اعادة تفعيل حضورها في الوسط العراقي داخل الوطن وفي الشتات بالاستفادة من كل الفسح والامكانيات المتاحة, واسقاط كل الأوهام التي تراكمت بمقولة دور التدخلات الأجنبية وبخاصة الأمريكية ــ البريطانية في تحديد مستقبل العراق بما في ذلك قضية تبديل النظام الحاكم في بغداد والذي هو مسؤولية الشعب العراقي أولا وأخيرا. قد يكون من الصعب الدخول في تحديدات وتوصيفات لما ينبغي على العراقيين حكومة وشعبا ومعارضة القيام به لخدمة القضية العراقية باعتبارها قضية كيان وشعب, لكن القول بأن ذلك هو مسؤولية الجميع, ويتطلب من الجميع فهما وممارسة أكثر وعيا وصلابة يجسد الاطار لفعالية عراقية متعددة متكاملة تخرج بالعراق نحو المستقبل, وتستفيد من جملة المعطيات الراهنة, وبدون ذلك سيظل القلق مهيما على العراق شعبا وكيانا.