يبقى المرء رقما عاديا, وربما أقل من العادي في عداد ملايين البشر الذين تضج بهم كرتنا الارضية, ثم ولأسباب مختلفة يتحول الى رقم صعب في معادلة الشهرة , حيث تأتيه هذه فاتحة ذراعيها, فينقذف هو في عمقها, ويصبح الاكثر شهرة في زمانه ربما وفي مكانه. ومع ذلك فانه لا يلامس احساس الآخرين عندما يطل عليهم, ولا يرتسم له في دواخلهم أثر من نبض أو شفافية حضور, والسبب هو ذلك الفارق بين ان تحب الناس وتدافع عن قضاياهم لأجلهم, وبين ان تستغل قضايا الناس للوصول الى غاية ما كالشهرة مثلا. وهناك شبه اتفاق على ان قلوب الناس لا تخطىء ــ عادة ــ عندما يتعلق الامر بقضية الصدق. برتراند راسل من فلاسفة القرن البارزين, ومن علماء الرياضيات المشهورين في بريطانيا والعالم, ومع ذلك فان تهافت الناس على شخصه, لم يأت بناء على ذلك, وانما لكونه قد شغف بالقضايا الانسانية التي دافع عنها مثل حظر الاسلحة النووية والسعي لمنع الحروب. وهو الى جانب ذلك كان حاضر البديهة يتمتع بروح النكتة وتوقد الذهن, وعدم المساومة على مواقفه. من عباراته التي تبقى عالقة في الذهن, عصية على النسيان, والتي تحمل دلالات كبيرة اكثر مما تعنيه من الفلسفة المجردة, قوله انه (لكي ينتج المجتمع شخصيات عظيمة, ينبغي ان تضيف الدولة الى الحريات الاربع, حرية خامسة هي: حرية الخروج على المألوف) والعبارة تقف بقوة التحدي لتقول لكل الذين يعتقدون بأن أمان البشرية في قمع الحريات ومصادرة الآراء, يكفي اغتيالا لانسانية الانسان, فلا نتيجة لاغتيال الحرية سوى توالد المزيد من الشخصيات الممسوخة, والبشر الاقرب للموت. (برتراند راسل) يطالب بحرية الخروج على المألوف, فهذه الفضيلة هي الطريق الوحيد لولادة شخصيات عظيمة, وهو كلام أثمن من ماس الدنيا لو تأملناه جيدا. وجمعية (مراسلون بلا حدود) في نشرتها السنوية التي وزعتها في باريس الاسبوع الماضي, أفادت في رصدها السنوي بأن 19 صحفيا قتلوا خلال أداء واجبهم المهني عام ,1998 في مقابل 26 في العام ,1997 وان 93 كانوا مسجونين في جميع انحاء العالم حتى 31 ديسمبر من العام المنصرم (طبعا هناك انظمة لا تعطي معلومات رقمية صحيحة في هذا الشأن تحديدا). كما تفيد النشرة أيضا بانه في العام 1998 استجوب 487 صحفيا, وتعرض 697 للاعتداء والتهديد, وخضعت 501 وسيلة اعلامية للرقابة. هذه الارقام لا تحتاج الى تحليل وذكاء كي يتوصل المرء الى ان حرية الصحافة تتعرض للقمع من قبل بعض الانظمة السلطوية, فيما لا يقل عن 30 دولة ــ حسب النشرة يعيش فيها مليارا نسمة, ففي العام 1994 قتل 48 صحفيا في رواندا و18 في الجزائر, بينما قتل في العام ,1998 4 صحفيين في كولومبيا. تأتي روسيا والمكسيك ضمن الدول الاكثرتهديدا لحياة (الباحثين عن الحقيقة), حيث يتعرض الصحفيون للموت نتيجة أقدامهم على التوغل والتحقيق في قضايا فساد النواب, والاصطدام بجماعات المافيا الذين يقلقهم الاعلام المستقل فليجأون الى التصفية الجسدية مباشرة! في ظل واقع كهذا يصبح البحث عن الحريات الاساسية هو المطلب الاكثر الحاحا في مناخ العالم الثالث, قبل المطالبة بحرية الخروج على المألوف, فهذه الحرية كما تخلق شخصيات عظيمة ــ حسب قول راسل ــ فانها تقودهم للموت مباشرة, ذلك ان كثيرين يهمهم عدم وجود شخصيات من هذا النوع حرصا على مصالحهم, كما ان حرية من هذا النوع لا توفرها الا حكومات خرجت هي نفسها على المألوف لانها آمنت بضرورة ذلك.