لا أحد يعرف على وجه اليقين كنه الدوافع السياسية التي أملت على وليم كوهين وزير الدفاع الأمريكي زيارة الخليج, في أعقاب الضربة الأمريكية البريطانية الصاروخية للعراق على مدى أربعة أيام متصلة, إذ ان كل ما تناقلته وكالات الأنباء عن تلك الزيارة , لا يعدو تقديم واجب الشكر والثناء بالنيابة عن حكومته للقوات الأمريكية على أداء مهمتها بدقة دون خسائر في الجنود والضباط أو الأسلحة والمعدات, بصرف النظر عن تدمير البنية التحتية وتفتيت القوة العسكرية وقتل مئات المدنيين في العراق, باعتبارها آثار جانبية ونتائج محسوبة سلفا! لكن علينا أن نعي جيدا في نفس الوقت ما نشرته الصحافة الأمريكية عن مغزى وأهداف الزيارة وردود أفعالها سواء في أمريكا أو الخليج, حين أشارت صراحة أو ضمنيا, إلى كونها رسالة غير مباشرة إلى الشعب الأمريكي, تستهدف تطمينه على أن الإدارة الأمريكية ـ على عكس ما تواتر من أخبار وتصريحات ــ لن تغامر بالانغماس في عملية عسكرية برية مشتركة مع المعارضة العراقية ضد صدام حسين, من شأنها أن تعيد للذاكرة مأساة الخسائر الفادحة التي منيت بها من قبل في كوريا وفيتنام ولبنان والصومال, ومن هنا كان حرص كوهين على مشاركة القوات الأمريكية احتفالها بالكريسماس وهي بعيدة عن وطنها وعائلاتها آلاف الأميال, وأن يشتمل الطعام الفاخر على الديك الرومي وكبدة الأوز الأمريكي. أياً ما كانت مصداقية مصادر تلك المعلومات الصحفية حول زيارة كوهين أو تجاوزها للحقيقة, الا ان وضع هذه المعلومات تحت مجهر التحليل السياسي الأمين, سوف يستعدي بالضرورة غيرها من المعلومات المتاحة حول الأسباب التي استندت إليها بعض الدول ازاء تأجيل القمة العربية, بعد الاعلان عن موعد انعقادها الوشيك اثر الاجتماع الذي كان مقررا لوزارة الخارجية, وحاز على موافقة أكثر من نصف الدول العربية! طبيعي إذن أن يطرح السؤال نفسه تلقائيا حول كنه أسباب التأجيل, هل لمزيد من المشاورات والاعداد الجيد لجدول الأعمال حسبما أعلنت مصادر الجامعة العربية باعتبارها آخر من يعلم بهذه المشاورات وهذا الاعداد, أم ان التأجيل موصول بانتظار ما سوف تحققه الضربات التي هددت أمريكا وبريطانيا بتسديدها للعراق نهاية شهر رمضان المبارك؟! لا شك ان هذا الاحتمال وارد ومن الخطأ استبعاده في سياق التحليل, في ضوء الانقلاب المفاجئ في لهجة الخطاب العربي ونغمة اعلامه الرسمي, عبر ممارسة لعبة خلط أوراق ملف الأزمة العراقية فيما يشبه القصد المتعمد مع سبق الاصرار والترصد. فالشاهد انه بات هناك اجماع قومي على ضرورة معالجة ثلاثة قضايا أساسية ملحة أفرزتها الأزمة العراقية حسب أولوياتها في الأهمية الأولى: وتكمن في ضرورة السعي بكافة وسائل التضامن والضغوط لانقاذ الشعب العراقي من ويلات الحصار الدولي غير المبرر, بعد أن أوفت بغداد بالتزاماتها الدولية الخاصة بالتفتيش على حيازتها لأسلحة الدمار الشامل وتدميرها تباعا على مدى سبع سنوات ونصف متصلة, وبعد أن أعلنت ثلاث دول كاملة العضوية في مجلس الأمن هي روسيا والصين وفرنسا وغيرها من دول العالم وفي مقدمتهم مصر على انتفاء المشروعية الدولية عن الضربة الصاروخية للعراق, وتحكيم أمريكا بمقدرات العالم وكأنها مجلس الأمن, واتهام ريتشارد باتلر رئيس لجنة التفتيش بتجاوز صلاحياته حين قدم تقريره عن مهمته إلى واشنطن قبل مناقشته في مجلس الأمن. الثانية: وتتعلق بإزالة الآثار الجانبية التي تخلفت عن اجتياح العراق للكويت, وبينها الشكوك في تسليم القيادة العراقية بسيادة الكويت على أراضيه والاعتراف بحدوده الدولية أمس واليوم وغدا, والزام بغداد بكشف الحقائق حول موضوع الأسرى الكويتيين. الثالثة: حسم موقف الدول العربية من اشكالية المساعي الأمريكية الرامية لاسقاط صدام حسين ونظامه واجازة قانون أمريكي بهذا الشأن, بما يعني استخدام كافة الوسائل العسكرية والمخابراتية بالتعاون مع عناصر المعارضة العراقية. على ان مظاهرات الشارع العربي التي خرجت تناصر العراق في محنته, كانت على وعي وادراك بالموقف السياسي الصحيح ازاء معالجة الأزمة, عندما حشدت جهودها ووحدت مطالبها وأولوياتها في رفع المعاناة أولا عن الشعب العراقي, ودعوتها الأنظمة العربية للتضامن صوب هدف مرحلي محدد يكمن في وقف الضربات الصاروخية فورا والتصدي لما يبيت له من عدوان قادم, فإن لم يكن انقاذ العراقي من الجوع والموت والدمار مبررا لعقد القمة العربية, فهل يكون الوقت الملائم بعد (خراب مالطة) كما يقول المثل المصري الساخر؟! صحيح ان صدام حسين ارتكب أخطاء استراتيجية فادحة باجتياح الكويت, وما يزال يرتكب وحكومته واعلامه أخطاء تكتيكية جسيمة وهم يوجهون هجومهم وشتائمهم للمواقف التضامنية النسبية التي بادرت إليها زعامات وحكومات الدول الكبرى, بينما لن يكتب النجاح لحل الأزمة العراقية, الا عبر آلية سياسية قومية منبثقة عن القمة العربية, تنهض بمهام المصالحة التاريخية بين الكويت والعراق, وحل المشكلات المعلقة مع مجلس الأمن حول قضايا التفتيش والحصار, أما عزل صدام حسين أو بقائه في السلطة فهو شأن داخلي يختص به الشعب العراقي وحده!