كل ما قيل من اسباب لتأجيل القمة العربية ... يصلح لان يكون اسبابا تحتم انعقاد هذه القمة وتجعلها واجبا قوميا لابد من انجازه والعمل على انجاحه . يقال ان القمة تأجلت بسبب الحاجة الى المزيد من المشاورات بين الدول العربية وهو قول نسمعه منذ انعقاد آخر قمة قبل عامين, تدهورت فيها الاوضاع العربية حتى وصلنا الى الازمة الحالية, وقبلها كان العمل العربي المشترك قد وصل الى ما يشبه الشلل, وبات واضحا للجميع ان هناك من يعمل على تخريب اي جهد جماعي عربي ووأد اي حديث عن تسوية المشكلات والقضايا العالقة بين الدول العربية. وكلنا يذكر كيف انتعشت الآمال اكثر من مرة في ضوء جهود الشيخ زايد ومحاولات الرئيس مبارك للم الشمل, وكيف انضمت سوريا لهذه المحاولات وتحركت الجامعة العربية بعد طول رقاد, وشهدت الكواليس العربية مبادرات ايجابية واقتراحات عملية ... ثم انتهى ذلك كله الى لا شيء, وظللنا بعد ذلك نسمع النغمة المعتادة عن ضرورة الاعداد للقمة العربية, بينما كان (الآخرون) يعدون للمزيد من حصار الامة العربية واستنزاف قدراتها وشل ارادتها. الحديث عن المزيد من الحاجة للمشاورات والاعداد الجيد يصلح في حالة واحدة .. ان يكون هناك قرار اساسي قد تم اتخاذه بضرورة القمة, وباهمية التضامن في هذه اللحظة التي تتعرض فيها الامة العربية لمختلف المخاطر. بعدها يصبح الحديث عن الاعداد الجيد مشروعا, ويصبح وضع التفاصيل مطلوبا, ويصبح التداول حول مختلف المقترحات للخروج من الازمة , وتحقيق المصالحة, والوقوف صفا واحدا في وجه الخطر .. مهمة لابد منها. اما في غيبة هذا القرار الاستراتيجي , فالحديث عن المشاورات هو مجرد (طق حنك) .. فكيف يتشاور من اغلقوا الابواب في وجوه بعضهم وسدوا كل سبل التفاهم؟ وكيف يتم الاعداد للقمة الموعودة اذا كنا غير مقتنعين بضرورة عقدها؟ ومن الذي سيقوم بالاعداد اذا كانت الطرق مقطوعة بين العواصم العربية والاتهامات المتبادلة هي العملة السائدة بين الاشقاء؟! اتخاذ القرار الاساسي او الاستراتيجي القائم على ان الامة في خطر, وان اي شيء يهون في سبيل دفع هذا الخطر .. هو الخطوة المطلوبة وهو المهمة الاساسية التي لن تقوم بها الا قمة عربية للانقاذ. ويقال ان عقد القمة العربية الآن هو تأييد للنظام العراقي, ولذلك فهي غير مطلوبة! وهو قول يعني اننا لن نشهد قمة عربية طالما بقي النظام العراقي في موقعه! وهو امر لا يمكن ان يخدم المصالح العربية اذا رهناها بمصير حكومة او بوجود حاكم. لقد ظل البعض ينتظر ان تقوم امريكا باقصاء النظام العراقي سنوات, ولم تفعل امريكا ولن تفعل فالنظام ليس هدفها وانما تدمير العراق واعادته الى القرون الوسطى وفرض التقسيم عليه بكل ما ينتج عن ذلك من اثار رهيبة تبقى المنطقة في الاسر الامريكي - الصهيوني الى ما شاء الله. وليس مطلوبا من القمة ان تكون شهادة براءة للنظام في العراق او مكافأة مجانية له, وانما المطلوب من القمة ان تكون مواجهة بالاخطار وحسابا عليها وان تكون انتزاعا عربيا لمسؤولية التعامل مع الوضع الراهن بعد سنوات وضعنا فيها مسؤولية الحل في ايد اجنبية فكانت النتيجة كارثة على الجميع. المطلوب الآن في ضوء المخاطر الهائلة ان نتحمل المسؤولية بشجاعة وان نفرض الحل العربي على الجميع, وان نقول للعالم ولانفسنا: اننا تعلمنا الدرس, ودفعنا الثمن, واننا قادرون على تحمل المسؤولية , والحساب عما وقع, والتعامل مع كافة الاحتمالات, وان انقاذ العراق هي مسؤوليتنا اما مصير النظام ففي يد الشعب العراقي وحده. ويقال ان التأجيل قد تم , لان انعقاد القمة الآن يعني الرضوخ للشارع العربي الذي يسير وراء عاطفته وحدها. ولا اعرف ماهي الجريمة في ان تستجيب الانظمة لارادة الشعوب, خاصة اذا كان الامر يتعلق بوجود هذه الشعوب وبمستقبل الامة التي تواجه الخطر؟ وماهي الجريمة في ان الشعوب ترفض المهانة وتطالب بالتصدي للمؤامرة على مستقبلها؟ وماهو عيب العاطفة اذا كانت تعبيرا عن شعور حقيقي افتقدناه طويلا حتى تصور البعض ان الشارع العربي قد مات , وان الرأى العام العربي لا وجود له, وان اليأس قد وصل بالجميع الى نهاية المطاف؟! لم ترتكب الجماهير العربية جريمة حين احست بالخطر الحقيقي وطالبت بوقف التدهور العربي, وادركت حجم المؤامرة على المصير العربي بأكمله, ولن يكون ضعفا ان تستجيب الانظمة العربية لصوت المواطن العادي الذي دفع الثمن غاليا من كرامته ومن لقمة عيشه ومن مستقبله الذي يدرك انه في مهب الريح. ** ويقال: ولماذا القمة من أجل العراق فقط؟ ونقول: ومن الذي منع القمة من ان تجتمع من أجل غيرها من القضايا؟ لقد بحت الاصوات من أجل قمة تحفظ الحد الادنى من الموقف العربي الموحد تجاه العدو الاسرائيلي. ولكن الضغوط كانت اقوى, وتصور البعض ان القرار العربي الواحد سيكون قيدا على حركته, فذهبوا فرادى.. ليتنازل المتنازلون, ويهرول المهرولون, ويبشر المبشرون بسلام الشجعان مرة وبسلام أولاد العم مرات, وليصحوا الجميع على الحقيقة المرة بعد فوات الأوان. وانهكنا الصراخ من أجل وحدة اقتصادية نواجه بها العالم في عصر التكتلات, لكن البعض خاف, والبعض تهرب, والبعض تصور انه سيربح لو تخلى عن هويته والتحق بالآخرين.. وكانت النهاية ان الكل أفاق على الحقيقة المرة, وأدرك الآن حجم الخسارة التي تحققت, وحجم العجز الذي أصبحنا نعاني منه في وجه المؤامرات لاستنزاف اقتصادنا ومنع تقدمنا. ولم تتوقف المحاولات على مدى السنوات الماضية, من اجل اقناع كل الانظمة بضرورة الوصول الى رؤية مشتركة تستوعب حقائق العصر, وتعرف احتياجات المستقبل, وتستعد لاقتحام القرن المقبل بمتغيراته الهائلة, ولكن الجميع تمترسوا حول قناعاتهم الفردية, وتصوروا ـ او صور الاخرون لهم ـ ان النجاة ممكنة بعيدا عن المحيط العربي, وان المستقبل سيكون افضل لو سلموا امورهم لرؤى مفروضة عليهم من الخارج ولا تستهدف الا مصالح اصحابها, ولا يدفع ثمنها الا العرب وحدهم. ومع ذلك.. فما الذي يمنع القمة ـ اذا اجتمعت ـ من ان تبحث ما تشاء من موضوعات, وان تصدر ما تشاء من قرارات. ان المهم حقا هو ان تجتمع, وتبحث, وتقرر. وان تكون قراراتها انعكاسا لارادة عربية تريد ان تمسك مصيرها بأيديها, وان تنقذ الامة من المأساة التي تعيشها ومن الكارثة التي تساق اليها. ** ويقال ان الاجتماع لو تم, فسوف يمثل موقفا ضد أمريكا وتابعتها بريطانيا. وهو قول يعني الاعتراف بأن مصالح أمريكا وبريطانيا لا تتحقق الا في غياب العرب, وان اللقاء العربي ـ في حد ذاته ـ هو تهديد لهذه المصالح! وهو اعتراف غريب. فالقوات الامريكية والبريطانية جاءت للمنطقة لتحقيق مصالح عربية.. أو هكذا قيل! والضربة الاخيرة قيل في تبريرها انها من أجل المصالح العربية بل ومن اجل مصلحة الشعب العراقي نفسه!! فما الذي تغير؟ ولماذا الخشية من اجتماع عربي يفترض فيه ان يعبر عن المصلحة العربية وحدها, ويقرر هل ما تفعله أمريكا في العراق وغير العراق يتفق مع المصلحة العربية؟ ** والاغرب من هذا كله ان يقال ان القمة لو انعقدت, فلن تؤدي الا الى زيادة الخلافات بين الدول العربية وانهيار النظام العربي المتمثل في الجامعة العربية. وأي نظرة الى الواقع حولنا نكشف ان مثل هذا القول ليس الا نوع من الكوميديا السوداء. فمجرد التأمل في الطريقة التي تم بها الغاء اجتماع القمة بعد موافقة اغلبية الدول العربية عليه, ودون اعتبار للرأي العام العربي ولا تبرير يقنعه.. تجعل مصداقية الجامعة العربية ـ ولا نقول وجودها ـ محل تساؤل. اما الخشية من الخلافات في القمة الموعودة, فلا شك ان وراءه حرص أكيد على ما ننعم به ـ من الخليج الى المحيط وبالعكس ـ من مودة واستقرار, وعلاقات محبة تليق بالاشقاء, وبرامج للتقدم يتعاون فيها الجميع, وروح مصالحة وسمو على الجراح, واعتراف بالخطأ حين يقع, والسعي المشترك لتجاوز الأزمات وبناء المستقبل. صحيح ـ اذا كان كل شيء جميل ـ فلماذا ننغص حياتنا بالاجتماعات والمؤتمرات التي نختلف فيها ونتفق؟ ولماذا نشغل البال بالبحث عن حلول لقضايانا وبالتفكير في واقعنا الذي هو ميت فل وعشرة, وفي مستقبلنا الجميل الزاهر بفضل خطط امريكا ودعاء الوالدين؟ ثم.. ماذا نقول الا: حسبنا الله ونعم الوكيل.