قطع مرشد الثورة الاسلامية الايرانية آية الله علي خامنئي الشك باليقين فيما يخص ماهية مسلسل الاغتيالات الاخيرة التي ظلت غامضة لأسابيع طويلة عندما وصف مرتكبي تلك الجرائم (بالجناة الخارجين على القانون والمعادين للشعب والملحقين الضرر بالنظام والمرتبطين لا محالة بسيناريو الاجنبي) في حين وصف المعتدى عليهم وتحديدا الابرز بينهم زعيم حزب الشعب الليبرالي المعارض داريوش فروهر وزوجته اللذان بدأ بهما مسلسل الاغتيالات الاخيرة بانهما (خصمان شريفان غير مضرين بالنظام وغير مرتبطين بالاجنبي) . واذا اعتبر مرشد الثورة عمليات القتل الاخيرة اعمالا مدانة وقبيحة ومحرمة ولا يمكن ان يقبل بها اي انسان شريف ومخلص للثورة والنظام) . فإنه يكون بذلك قد حسم الموقف نهائيا بنظر اجماع المحللين السياسيين من جماعة المجتمع المدني الاسلامي لصالح الشعارات الرئيسية التي اعلن عنها الرئيس محمد خاتمي منذ تصديه لمعركة الرئاسة والتي يصر على الالتزام بها والوفاء بعهده الذي قطعه للرأي العام أيا كانت العراقيل والصعوبات. ويضيف هؤلاء المحللون السياسيون بأن ما تم الكشف عنه على لسان بيان وزارة الاستخبارات الايرانية الشجاع والغريب من نوعه ليس في تاريخ ايران فحسب بل وفي تاريخ حكومات العالم الثالث وربما العالم الديمقراطي الغربي ايضا انما يأتي لينزع الشرعية نهائيا عن كل عمليات التصفية التي يمكن ان يقوم بها البوليس السري ضد معارضين مسالمين شرفاء لا ذنب لهم سوى انهم يختلفون مع هذا النظام او ذاك في اطار ممارستهم لحقهم الطبيعي والانساني في التعبير عن ارائهم. ويقطع محللون اجتماعيون مطلعون على التحولات البنيوية الجارية لا موالات المجتمع الايراني بان الآثار والتداعيات المترتبة على ماتم الاعلان عنه مؤخرا من ملابسات احاطت بتلك الجرائم البشعة ربما سجل الانتصار الاهم الذي احرزته قوى المجتمع المدني في ايران منذ مئات السنين. اذ يرى هؤلاء بانها المرة الاولى في مسار الصراعات المريرة في التاريخ الايراني التي تتمكن فيها قوى المجتمع المدني في اطار خوضها لمعركة سلمية ان تفرض قواعد لعبتها الديمقراطية على الخصم سواء كان ذلك الخصم جاهلا متعصبا فقط او مغررا به ومرتبطا بسيناريو الاجنبي دون ان يدري ان يقر بشكل علني بحرمة اللجوء الى العنف بل وان تصبح اعماله مدانة وبغيضة ومطرودة حتى من قبل خصوم المجتمع المدني السياسيين. ثمة من يذهب هنا الى ابعد من ذلك فيقول ان اتفاق القيادة العليا وحزمها في اتخاذ خطوات اجراء اخطر عملية جراحية في جهازها الامني ورضوخ الاطراف السياسية المختلفة لنتائج تلك العملية وتداعياتها ايا كانت اضرارها على المتخاصمين وقبولهم باجماع ضرورة تحريم العنف السياسي من الآن فصاعدا إنما من شأنه ان يقطع الطريق نهائيا على تلك القوى اليمينية او اليسارية التي تحمل في بذورها اخطار الفاشية واحتمالات لجوء بعض عناصرها مستقبلا الى وسائل عنف جديدة او مسلسل اغتيالات اخرى. وهذا يعني بدوره ايضا حسب اولئك المحللين بان القوى الموسومة باليمين المحافظ لم يبق امامها سوى ان تطهر مسلكها وتحليلاتها السابقة والمستقبلية من شوائب التصاق بعض تهم الفاشية بها من خلال الاقرار نهائيا بضرورة تحمل الآخر والاستماع اليه في اطار تضارب الاراء وادانة كل اشكال العنف التي مورست او يمكن ان تمارس من جانب بعض قوى الضغط السياسي الخفية أو العلنية. وحدهم الذين يقلقون من مستقبل الاصلاح والتغيير سيكونون المتضررين من الوفاق الوطني الجديد الذي يمكن ان ينشأ في اعقاب اجتياز المحنة الجديدة او الامتحان الجديد. ان تجربة العملية الجراحية القائمة حاليا في اجهزة النظام الامنية يرى فيه جماعة الاصلاح والتغيير انتصارا جديدا لمنهج المكاشفة الذي كان يطالب به الرئيس محمد خاتمي منذ تسلمه الرئاسة, مكاشفة الرأي العام بالمشكلات التي تتحملها السلطة السياسية في ادارة شؤون العباد والبلاد. وان هذه المكاشفة وكذلك الشفافية المطلوبة في العمل السياسي عموما سواء من قبل قوى المعارضة او قوى السلطة الحاكمة هي الكفيلة بتجنيب البلاد مخاطر الدخول في حروب اهلية محتملة او اللجوء الى تشكيل الميليشيات المسلحة كما جرت العادة في العديد من البلدان النامية. ان الدرس البليغ الذي يقول جماعة المجتمع المدني الاسلامي انهم تعلموه من محنة الاسابيع القليلة الماضية هو ان مدرسة العنف والعزل السياسي للاخر ومحاولة تصفية المعارضين بأي ثمن واقصائهم من ساحة العمل السياسي وسياسة اللجوء للغرف المغلقة في صناعة القرارات وصياغتها وعدم الاعتماد على الجماعة يحمل دائما في جنباته خطر الارتباط بالاجنبي وخدمته سواء كان ذلك عن قصد او دون قصد حتى لو كان المرء مسلحا في الظاهر بايديولوجية دينية وهو ما اثبتته الاحداث الاخيرة وقطعت به القيادة الايرانية العليا. هذا بينما العزوف عن نظريات العنف واستبدالها بنظرية الحوار وانتظار حكم الناس والرأي العام واعتبارهم كلمة الفصل في النزاعات السياسية من شأنه ان يجنب المرء اي ارتباط بالاجنبي ويضفي على عمله صفات الشرف والنجابة حتى وان ظهر في صورة الخصم السياسي العنيد لايديولوجية ونظام سياسي اسلامي متقدم كما يسجله مرشد الثورة الاسلامية لزعيم حزب الشعب الليبرالي المغدور داريوش فروهر وزوجته. مرة اخرى ينتصر الشعب الايراني وتنهزم طيور الظلام وخفافيش الليل ومرة اخرى ينزه الدين والاسلام من ممارسات الغدر والخيانة والطعن من الخلف ويكرم الانسان لعقله وتحرره واختياره سلاح الكلمة والحوار بديلا لنصرة الحق والفضيلة. المراقبون هنا سجلوا باعتزاز وجداره هذا النصر الجديد للخاتمية وللنظام السياسي الاسلامي العصري الذي يحاول ان يطور نفسه بنفسه ويواكب ضرورات واحتياجات المجتمع المدني الاسلامي المتجدد.