تتسارع التقديرات لنتائج الانتخابات الاسرائيلية على الصعيد الفلسطيني في حال عودة ليكود نتانياهو أو في حالة وصول المعارضة إلى رئاسة الوزراء في اسرائيل, وبعضها يتطاير بالتفاؤل على أمل مجيء حزب العمل وإنقاذ تسوية أوسلو ــ واي بلانتيشن من مأزق لا حدود له ولا أفق مرئي للخروج منه في ظل تسوية مختلة تقوم على منطق الغالب والمغلوب وبموقف أمريكي منحاز. بكل الحالات نستطيع القول بأن الخريطة السياسية اليهودية الاسرائيلية تتجه أكثر فأكثر نحو التطرف إلى برنامج التوسع والعدوان والضم الزاحف لأكثر من 58% من الضفة الفلسطينية. الدليل الأول بأن مرشح اليسار الصهيوني باراك, والوسط الصهيوني (شاحاك) يعتمد انتصاره في معركة رئاسة الحكومة على كتلة الأصوات العربية التي تعادل كتلة الأصوات اليمينية الدينية المتطرفة, والدليل الآخر على ذلك بأن كل الاهتزاز داخل الليكود يفرخ حالات متطرفة نحو يمين اليمين من برنامج نتانياهو, وكل الخلافات التي نشبت تدور حول المزيد من التوسع والمزيد من الضغط على الطرف الفلسطيني والمزيد من التشدد تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية, فعناوين الصراعات الحزبية داخل الطيف السياسي الصهيوني من المعتدل الى المتشدد تدور حول مدى المرونة في التعاطي مع الوضع الفلسطيني من ناحية كيفية إرساء مفاوضات الوضع الدائم وعلى أي أسس, مع جامع مشترك يقوم على اللاءات المعروفة : لا للدولة الفلسطينية كاملة السيادة (حكم ذاتي + أو دولة ناقص), لا لعودة القدس العربية, لا للانسحاب لخط 4 يونيو 1967 ولا لعودة أي لاجئ إلى أرض ,1948 فضلا عن التوسع بضم الكتل الاستيطانية للدولة العبرية واستمرار زحف الاستيطان على أرض الضفة وتهويد القدس. هذه اللاءات تجمع بين كل أحزاب اليمين واليمين التوراتي إضافة الى أحزاب الوسط وصولاً الى صقور حزب العمل والبعض من داخل تحالف ميرتس الثلاثي. ومن الأهمية ألا نعول كثيرا على نتائج الانتخابات الاسرائيلية من زاوية أيهما سيعطي أو يقدم لشعبنا أكثر, نحن نعتقد بأن المسألة الأهم من كل شيء تتمثل بدورنا كفلسطينيين وكعرب في عملية المواجهة بأشكالها المختلفة والدفاع عن قرارات الشرعية الدولية لتجاوز مظالم أوسلو وتداعيات واي بلانتيشن, ويجب ألا ننتظر وعودا أو أوهاما مرتبطة ومعلقة بنتائج الانتخابات, فما يصنع الجديد والنوعي والنتائج المثمرة هو اعادة بناء الدور الفلسطيني الموحد ومفاعيل عوامل القوة بيد شعبنا, بالوحدة الوطنية وبالوحدة البرنامجية على أساس الائتلاف الوطني المشترك وليس بالأوهام المعلقة كسراب لا يغني ولا يثمن. ومع هذا فإن وصول العمل الى سدة رئاسة الوزارة أو حصده لمقاعد أكثر في الكنيست قد يدفع قليلاً في المرونة السياسية الاسرائيلية بالتعاطي مع العملية التفاوضية الراهنة لكنه لن يغير بالجوهر وباللاءات الاسرائيلية المعروفة, حيث يضم حزب العمل صقورا توازي صقور الليكود وائتلاف اليمين. ان تغيير الخطاب السياسي الاسرائيلي بين العمل والليكود لن يكون على الأرجح تغييرا صارخا, بشأن تهويد ومصير القدس وحدود 4 يونيو 1967 وعودة اللاجئين والتوسع بخارطة تتراوح بين 52% (خارطة باراك) و58 - 64% خرائط موردخاي ونتانياهو وشارون, لذا نقول بأن مسلسل التنازلات الفلسطينية والعربية المتتالية هو الذي فتح شهية برامج التوسع ووقف هذا المسلسل يكبح جماح نمو نزعات التطرف الاسرائيلية بالحدود النسبية. ان شرط هذا الأول: اعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس برنامج القواسم المشتركة المستندة والمشتق من قرارات وسلام الشرعية الدولية لا مظالم أوسلو والواي على القاعدة الجارية طيلة (8) سنوات: (جرعة صغيرة من الأرض مقابل كل الأمن والسلام للاسرائيليين دولة وأفرادا بينما يتواصل نهب الارض وزحف سرطان الاستيطان فضلا عن تهويد القدس. وثانياً: اعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الائتلافية والاحتكام لها بدءًا بانتخاب مجلس وطني فلسطيني جديد في الوطن المحتل والشتات فالمجلس الحالي انتهت مدته القانونية منذ زمن وفقد شرعيته القانونية (ثلاث سنوات + سنة واحدة تمديد) والمجلس الوطني هو الذي ينتخب المجلس المركزي واللجنة التنفيذية ورئيسها. وثالثاً: ترميم التضامن العربي المنهار منذ حرب الخليج الثانية في اطار المراجعة النقدية الشجاعة والمصارحة والمصالحة. ورابعاً: اعادة بناء كل العملية السياسية التفاوضية على اساس قرارات الشرعية الدولية وليس مفاوضات ميزان القوى الثنائي المختل لصالح المحتلين والمستوطنين. وخامساً: وقف أو تعليق المفاوضات حتى تتوقف عمليات تهويد القدس وزحف الاستيطان الذي لم يتوقف منذ اوسلو 1993 حتى يومنا 1999. فالنتائج المتوقعة بكلتا الحالتين على صعيد العملية السلمية بشكل عام يجب الا تدفعنا نحو التفاؤل المرتفع ويفترض بنا كفلسطينيين وكعرب ألا نعول كثيرا على نتائج الانتخابات الاسرائيلية أياً كانت, فالمسألة الأهم تكمن في دور الحركة الوطنية الفلسطينية في سياق عملية المواجهة متعددة الأشكال وفي سياق خلق أوضاع فلسطينية داخلية وعربية ــ عربية صحية تدفع بدورها نحو مناخات ايجابية يمكن لها ان تسهم بشكل فعال في اعادة رسم العملية التفاوضية وإرجاعها الى سكة ومرجعية الشرعية الدولية. ان مكمن الخلل يتمثل بالعملية السياسية اللامتوازنة أولاً, وفي الوضع العربي وتداعياته ثانياً, وفي التفكك والانقسام الفلسطيني ثالثاً .. وتجاوز كل هذا الخلل وحده يفتح الطريق أمام تسوية أخرى متوازنة يمكن أن تقود نحو سلام شامل متوازن .. لا الاعتماد وتعليق الأوهام في الهواء على نتائج الانتخابات وربط المصير الفلسطيني والعربي بمن يصل الى سدة الحكومة أو بمن يحصد مقاعد الكنيست في اسرائيل, وهنا تجدون كل التفاصيل والبدائل الملموسة على ما يدور الآن في كتاب نايف حواتمه الجديد (أوسلو والسلام الآخر المتوازن) . ان تكتيك حكومات (رابين ــ بيريس) ثم نتانياهو قام في أحد أعمدته الرئيسية على استثمار حالة التردي في الأوضاع الفلسطينية أولاً والعربية ثانياً وفي اختراق مسارات التفاوض العربية ثالثاً, فمرة نلحظ مساعي اسرائيلية لإحياء المسار السوري ومرة أخرى المسار اللبناني لأغراض تكتيكية مضمرة وأحياناً كثيرة يستخدم التهويل بإحياء المسار السوري وترك مسار التفاوض مع سلطة الحكم الذاتي معلقا لدفعها نحو الهرولة إلى التنازلات المتتالية. من جانب آخر يعتقد البعض بأن الانقسام في معسكر الليكود يعود إلى عوامل خارجية وداخلية اسرائيلية لكنه بجوهره اعادة اصطفاف من أجل تطرف اسرائيلي وموقف نهائي من عملية السلام؟ الانقسام والاهتزاز داخل الليكود أحد عناوينه الرئيسية الصراع على البرنامج الأكثر تطرفا في التعاطي مع الموضوع الفلسطيني بين ادعاءات اسرائيل الكبرى والتقاسم الاقليمي للأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 فضلاً عن حجم التوسع في الجولان والتسوية الراهنة بشكل عام, فأعضاء الكنيست من الليكود (الأكثر صقورية) يقدمون برامج توسعية بضم اما كل الضفة (بيني بيجن) أو أكثر من 64% من أراضي الضفة الفلسطينية مع ترتيب خاص لقطاع غزة وتشدد في اللاءات الاسرائيلية, فضلا عن التشدد بالموضوع التفاوضي مع سوريا ورفض القبول أو الاعتراف بالقرارات الدولية القاضية بإعادة الجولان كاملاً حتى خطوط 4 يونيو 1967 الى سوريا الوطن الأم. أما الصراعات الإضافية المتعلقة باقتسام كعكة الوزارة الاسرائيلية أو المتعلقة بتقديم الموازنات وتوسيعها لصالح أحزاب اليمين التوراتي ومشاريعها فكلها عوامل إضافية إذا ما قيست بالعامل الأول .. لذا نستطيع أن نقول باختصار شديد بأن الاصطفاف الراهن مع قدوم الانتخابات الاسرائيلية في (17 مايو 1999) سيكون بين برنامج يمين ليكودي وبرنامج اكثر يمينية متطرف على يمين برنامج خطوط الأساس لحكومة نتانياهو, والبرنامج الثالث لحزب العمل بخطابه البراجماتي ومضمونه المعروف تحت سقف اللاءات التي حددها باراك في خطابه الأخير بالكنيست يوم قرار الانتخابات المبكرة وتحت سقف مشروع الحل الدائم للقضية الفلسطينية بكيان هزيل على أجزاء من الضفة والقطاع.