تشمل منطقة شرقي المتوسط بلاد الشام, وتمتد الى العراق ومنطقة الخليج ببلدانها العربية وايران, اضافة الى انها تشمل تركيا , وهذه المنطقة ذات الامتداد الجغرافي الواسع, تكاد تكون منطقة حضارية واحدة من حيث تكوينها التاريخي باعتبارها محطة لتلاقي الاجناس والاعراق البشرية, وتفاعل الثقافات والحضارات, واقامة التفاعل الحي بين البشر الذين أموا هذه المنطقة وعاشوا فيها وتعايشوا مع بعضهم بعضا. لقد كان انطلاق الديانات التوحيدية الثلاث في هذه المنطقة من العالم تكريسا لتنوعها وتعددها, وقدرة أهلها على التوافق والتعايش, رغم الصراع حيث ان بعضهم جاء غازيا فاتحا, وآخر جاء مطرودا منبوذا, وجميعهم اندمجوا بصورة ما في اطار السكان الاصلييين, فتفاعلوا معهم عرقيا ولغويا ودينيا وثقافيا, فذاب بعضهم في بعض, فيما احتفظ بعضهم الآخر ببعض من خصائصه دون ان يتحول الى قوة صدم وصدام مع الاكثرية السكانية التي كانت تقيم في المنطقة قبل مجيئه, وانخراطه في البنيان الديموغرافي لسكان شرقي المتوسط. أقليات وأكثريات وشرق المتوسط بدوله يضم ثلاث كتل قومية رئيسية ــ باستثناء التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ــ يؤلف العرب الكتلة الرئيسية فيها, ثم يليها الايرانيون وأغلبيتهم من الفرس, ثم يأتي الاتراك سكان آسيا الوسطى وتضم منطقة شرق المتوسط الكثير من الجماعات القومية التي تشكل أقليات مميزة عن الكتل القومية الكبرى: العرب والفرس والاتراك, وتنقسم هذه الاقليات الى مجموعتين: المجموعة الأولى من الأقليات: أقليات متوطنة, هي من أبناء المنطقة, تنتسب الى شعوب عاشت في المنطقة منذ مئات, وربما آلاف السنوات, وشكلت على مدار التاريخ جزءا مكونا من شعوب المنطقة, وتركت لها بصمات حضارية في التطور العام للمنطقة, وذلك قبل ان تطرأ تبدلات ديموغرافية وحضارية, تقلب المعادلات وتحول الجماعة المعينة الى أقلية متجمعة حينا ومتفرقة احيانا, سواء كان في اطار أحد الكيانات السياسية في المنطقة أو موزعة على عدد من الكيانات, ويندرج في عداد هذه المجموعة من الأقليات في شرق المتوسط الاكراد وهم بين أكبر الاقليات الموزعة ما بين الدول الرئيسية في المنطقة, كما يعد الآشوريون في اطار هذه المجموعة من الاقليات القديمة الاصلية في شرق المتوسط, ويتوزع هؤلاء بصورة خاصة على العراق وسوريا. والمجموعة الثانية: من الاقليات في شرق المتوسط هي أقليات وافدة الى المنطقة, بعضها يعود تاريخ مجيئه الى مئات السنين على نحو ما هم التركمان الذين كانوا أول المهاجرين من أواسط منطقة السهوب الآسيوية, واتجهوا غربا ليستقروا في كل من ايران والعراق قبل ان يصلوا في وقت لاحق الى سوريا وفلسطين والاردن. كما تندرج في اطار هذه المجموعة من الاقليات الوافدة الاقليات الوافدة, الأقلية الارمنية, والتي وان كان موطنها الأساسي ــ على نحو ما هو اليوم ــ مقسم بين كيانات, تشكل تركيا واحدة منها, فإنه قد تم دفعهم بالقوة للهجرة جنوبا باتجاه بلاد الشام والعراق, وقد توزع الارمن في هجرتهم هذه على مختلف بلدان المشرق العربي, اضافة الى بقاء اقلية منهم في تركيا. وحال الشركس كحال الاقلية الارمنية, اذ تم دفعهم بالقوة للهجرة جنوبا من موطنهم الاصلي في شمال القوقاز التي تعتبر اليوم في اطار الدولة الروسية, وانضم شراكسة الهجرة الجديدة الى وجود شركسي تاريخي, كان قد تشكل في المشرق العربي ابان عهود الدولة العربية الاسلامية وخصوصا في عصر الدويلات, والتي كان بينها دولة المماليك الشراكسة التي امتدت ما بين بلاد الشام ومصر. واضافة الى هذه الاقليات التي تركت وجودا ملموسا ومحسوسا في بلدان شرق المتوسط. فإن ثمة أقليات قومية عبرت المنطقة, أو عبرت اليها, وتركت ظلالا خفيفة في اجمالي التركيب الديموغرافي الحضاري للمنطقة, ومن هذه الاقليات أقلية ألبانية, وهي التي قدمت لشرق المتوسط شخصية مميزة ومهمة في تاريخه, وهي شخصية محمد علي مؤسس دولة مصر الحديثة, ومن الاقليات التي عبرت الى المنطقة, الاقلية البوسنية, والمعروف أفرادها في المشرق باسم (البوشناق) وبطبيعة الحال, يمكن العثور في واقع بلدان المنطقة على جماعات أقلية قومية من المتوطنين ومن الوافدين على السواء, ومثال الاخيرة الاقليات الآسيوية المنتشرة في بلدان الخليج العربية من الهنود والباكستان والبنغال وغيرهم, لكن هذه الاقليات ليست ذات أهمية وتأثير في الواقع العام لبلدان المنطقة, وهي النقطة التي انطلقت منها عملية تقديم أقليات شرق المتوسط. والتأمل في واقع أقليات شرق المتوسط, يبين ان الوافد منها وصل المنطقة من ثلاث مناطق رئيسية: المنطقة الأولى هي وسط آسيا على نحو ما هو حال التركمان, والمنطقة الثانية شمال القوقاز التي وفد منها الشركس, أما المنطقة الثالثة فكانت وسط أوروبا ومنها وفدت أقليات الألبان والبوشناق. ويتوزع أبناء الاقليات في شرق المتوسط على الديانات السائدة في المنطقة, والاكثر منهم ينتمون الى الديانة الاسلامية ــ وهي ديانة الاكثرية من السكان ــ وينقسمون الى المذهبين الكبيرين: السنة والشيعة, وهذا حال الاكراد والتركان عموما, فيما ينتمي الشركس الى المذهب السني. والاقليات من أبناء الديانة المسيحية, تتوزع الى الاقليات المتوطنة والاخرى الوافدة, وبين الاقليات المتوطنة الاشوريون والكلدانيون وكلاهما من المسيحيين, ومن الاقليات المسيحية الوافدة الاقلية الارمنية والمتميزة بكنيستها الخاصة. ان المنطقة تقبلت وابتلعت الهجرات الكبرى ومنها هجرة شعوب أواسط آسيا, ولاسيما التركمان الذين وصلوا شرقي المتوسط قبل ان يصل الاتراك العثمانيون بوقت كبير, واندمجوا في اطار الدولة العربية الاسلامية في مراتبها المختلفة الى درجة صاروا في بعض الاحيان بين قادة الدولة, ومثل ذلك كان الشركس الذين تم جلبهم كمجموعات من منطقة شمال القوقاز, ليصيروا جنودا محاربين في بعض محطات الدولة العربية الاسلامية في شرق المتوسط, لكنهم صاروا بين كوادرها الاساسية في بعض المراحل, بل انهم صاروا في احيان اخرى بين أشهر قادة تلك الدول, كما في الدولة المملوكية. وغالبا, فإن شرقي المتوسط شهدت اقامة دول لمعظم الجماعات التي عاشت فيها, فكان في تاريخها دول للآشوريين والاكراد والشركس, والقاسم المشترك والمميز لتاريخ هذه الدول ولكل الدول التي قامت في تاريخ المنطقة عموما, انها احتفظت داخل كياناتها السياسية بحيز للآخر, المختلف اثنيا ولغويا ودينيا, بل وطائفيا وذلك في اطار فسحة تاريخية حضارية ميزت هذه البقعة من العالم القديم. لقد جسدت الدولة العربية الاسلامية في أوج قوتها وعنفوانها هذا السلوك الحضاري, فكانت دمشق عاصمة الامبراطورية العربية الاسلامية, تضم في جنباتها جماعات اثنية ولغوية ودينية متعددة متنوعة, بل ان ذلك امتد الى محيطها القريب, حيث مازالت بعض من القرى والمناطق المحيطة بدمشق حتى اليوم, تحتفظ بتميزها الاثني واللغوي والديني والطائفي, وهو أمر يستحق ان يدرس باعتباره تأكيدا لحقيقة التنوع, وقدرة هذه المنطقة على التعايش بين المتنوعين والمتعددين, وهو أمر لم يكن يتحقق في معظم انحاء العالم في فترات تاريخية مختلفة. وربما كان من المهم التنويه الى ان ما حدث في ظل الدولة العربية الاسلامية من حيث يآلف وتعايش التعدديات الاثنية واللغوية والدينية والطائفية, لم تقتصر على بلاد العرب المسلمين وحدها, بل هي امتدت لتشمل المناطق الاخرى في بلاد فارس وفي آسيا الصغرى. وتقدم الدولة الصفوية, وكذلك الدولة العثمانية في تاريخها الطويل أمثلة مهمة على التعايش وتوافق التعدديات, فيما عدا فترات معينة, تشكل انقلابا في السياسة المبدئية وفي موقف الدولة من الاقليات, وربما كان أوضح الامثلة في ذلك سياسة الدولة العثمانية ازاء الاقليات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, وبداية القرن العشرين, حيث صعدت نزعات التسلط والتشدد التي قادت الدولة العثمانية الى التوجه للطورانية, وممارسة الاضطهاد الشديد ضد جماعات مختلفة اثنيا ولغويا ودينيا وطائفيا, فكان اضطهاد العرب, واضطهاد الاكراد والشركس, ثم اضطهاد الارمن, اضافة الى اضطهاد كل الاقليات الطائفية في انحاء الدولة العثمانية, وهو أمر تكرس لاحقا في سياسة الدولة التركية التي ورثت النزعة الطورانية والقومية المتعصبة عن أواخر العهد العثماني. ان النتائج العامة للتكوين الديموغرافي التاريخي والحضاري لمنطقة شرقي المتوسط, تتبدى في اعطاء هذه المنطقة سمات خاصة, منها القدرة العالية على الاندماج والتعايش, القبول بوجود الآخر, والتفاعل مع الوجود المستقل للآخرين, والأهم من ذلك كله المشاركة في صياغة تاريخ عام مشترك للمنطقة وسكانها باعتبارها تجسيدا لمرحلة حضارية أبرز سماتها مرحلة الحضارة الاسلامية التي شارك في صنعها العرب والفرس والعثمانيون الى جانب التركمان والشركس, ولم يكن أبناء المنطقة من الاقليات الدينية الاثنية الاخرى من آشوريين وكلدانيين وسريانيين بعيدين عن هذه المشاركة في تأسيس وانجاز تلك المرحلة الحضارية, وفي التطور اللاحق لها, لدرجة يمكن القول ان أسماء القادة والمفكرين ورجالات المجتمع في منطقة المتوسط هي خليط من تلك الانتماءات, وهي خليط ممتد من الماضي البعيد الى الحديث وصولا الى المعاصر, رغم ان في الحديث عن المعاصر, هناك كثير من الملاحظات, لكن مقامها ليس في هذا الحيز. كاتب وصحفي سوري