منذ فترة ليست بعيدة أعلنت صحيفة (صن) الانجليزية أن لديها شريطا مسجلا لحديث غرامي ساخن تم بين شخصية بريطانية هامة قد تكون أميرة أو وزيرة وبين احد الاشخاص . وأبدت الجريدة استعدادها لأن يسمع من يريد هذا الشريط الساخن الذي جرى في إحدى الليالي الباردة على خط خاص مقابل إحدى عشر جنيها استرلينيا... بعيدا عن الشكل الظاهري للقصة في مسلسل الفضائح الاخلاقية للشخصيات الهامة... وبعيداً أيضا عن المناورات وأحيانا الاغراض الخفية والخلافات السياسية التي تستخدم اساليب ووسائل غير نظيفة وصولا الى اغراض ومصالح محددة. فان الجديد والخطير الذي اثارته هذه القضية وغيرها من القضايا المماثلة هو مفهوم الحريات الخاصة والعامة في المجتمعات المعاصرة وخاصة في ظل الثورة العلمية والتكنولوجية ــ وبشكل أخص في مجال الاتصالات والمعلومات ــ والتي تتوالى كل يوم لتغير الكثير من اوراق الماضي ومقولاته وقيمه ولتطرح اشكاليات جديدة لها أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاخلاقية. فالشريط الساخن المذكور والذي يسجل حدثاً ليليا خاصا تم بين شخصين عبر الهاتف, ولا يهم هنا أن يكون أحد الاطراف أميرة أو وزيرة أو زوجة وزير, ولكن الاهم أن الذي قام بالتسجيل ليس له صفة رسمية أو قانونية بل هو رجل أحيل الى المعاش, كان يعمل في أحد البنوك ولديه هواية خاصة في استخدام الراديو واجهزة الاتصالات الحديثة, واستطاع بالصدفة, ومن خلال ممارسة هوايته أن يلتقط هذا الحديث الخاص ويسجله. وبالتأكيد فمن حق المتضرر أن يرفع قضية ضد الهاوي العجوز على أساس أنه انتهك مقدسات حياته الخاصة, وبالتأكيد أيضا فإنه من حق موظف المعاش أن يقول ببساطة أنه اشترى جهازا مطروحا في الاسواق وأن أجهزة التصنت والاستماع والتسجيل والتداخل موجودة وبكثرة في الاسواق البريطانية العامة وتباع بأقل من 50 جنيها استرلينياً. والامر في الواقع أهم وأخطر بكثير من ان يكون مجرد نزاع قضائي قد تحتار فيه المحاكم البريطانية نفسها في إيجاد حل له, ولكنه يطرح وبوضوح تساؤلات جديدة لابد وأن تثار حول صيغة ومفهوم الحريات الخاصة والعامة في المجتمعات المعاصرة. وهذا مجرد مثل من أمثلة كثيرة تجرى وتفرض على علماء الاجتماع والسياسة والعلوم الانسانية دراسته في محاولة للوصول الى أبعاده الحقيقية التي لم تتبلور بعد. فمع التطورات العلمية الهائلة أصبح واردا لأي فلاح مصري في قرية نائية في الصعيد أو أي صياد يمنى أو حتى راعياً على الجبال والأودية العربية شرقا وغربا أن يستغل بالصوت والصورة المجسدة كل ما يجرى في عالم اليوم من أحداث بما فيها الصالح والطالح, وأن يشاهد ويرى وينتقي لنفسه ما شاء من برامج بكل ايجابياتها وسلبياتها ... دون أن يستطيع أحد أن يحجب أو يمنع أو حتى يراقب. والامثلة كثيرة خاصة وقد تحققت معظم أدبيات الخيال العلمي وتحولت الى واقع حي متحرك حتى أن كتاب الخيال العلمي في الولايات المتحدة أعلنوا في مؤتمرهم الاخير أن وقائع الثورة العلمية والتكنولوجية بوتيرتها السريعة والمتلاحقة قد تجاوزت في بعض الاحيان الكثير مما كان يعد خيالا علميا وحتى وقت قريب. ومن الواضح ان هذه الثورة تغير الكثير من اوراق الماضي ومقولاته وقيمه وتفرض واقعا جديدا لم يستقر بعد لأنه مازال في حالة الفوران البركاني, ولكنه وفي كل الاحوال اصبح يمس الكثير من المسلمات والتي كانت راسخة وحتى وقت قريب. ويتجه علماء الاجتماع الى القول بأن هذه الثورة العلمية والتكنولوجيا هي التي ساعدت على تهميش الكثير من الايدلوجيات والافكار التي كانت وحتى عهد قريب, ينظر اليها على انها تمثل مجموعة من المعتقدات والقيم الراسخة. والامر لا يتعلق فقط بمجموعة التغيرات السياسية التي جرت ومازالت تجري في عالم اليوم, ولكن التغيرات الاخطر والاهم هي التي تجري في الاعماق ومن الممكن أن ينتج عنها تغيرات جذرية في الابنية الفوقية والعلاقات القائمة بين الخاص والعام, الفرد والمجتمع, الدولة والعقد الاجتماعي, القومية والدولية والكونية. إن مفاهيم كثيرة كانت تبدو مستقرة في العرف والوجدان الدولي, بدأت تخلي مكانها بالفعل لمفاهيم أخرى جديدة لم تستقر بعد. ولقد أصبح من الصعب في بعض الاحيان أن يفرق الانسان بين مفهوم الاستقلال وحدوده ومواصفاته, ومفهوم الاعتماد المتبادل وأبعاده وضروراته في عالم تضيق فيه المسافات وتتشابك فيه المصالح. وحتى مفهوم العولمة الذي بدأ يدخل مفردات اللغة الدولية منذ سنوات, يتعرض هو الآخر للكثير من التطوير والتحوير والتفسير وتتداخل وتتشابك المصالح المتناقضة دون ان يستطيع احد القطع اذا ما كانت هذه العولمة يراد بها من جانب البعض الهيمنة والسيطرة, أم أنها تغير علمي يتمشى مع معطيات الثورة العلمية الحديثة... ومع الاعتراف بأن الثورة العلمية والتكنولوجية قد اصبحت تمثل عاملا هاما, إن لم يكن الاهم, في اعادة صياغة وتشكيل العالم المعاصر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا, وبالتالي ثقافيا وفكريا, إلا ان الخلاف الحقيقي يدور حول تقييم طبيعة هذه الثورة وآثارها... وهل هي نقمة أم نعمة؟! وهل يمكن ان تقدم من الناحية الموضوعية حلولا للقضايا التي مازالت قائمة في العالم المعاصر, أم أنها في واقع الامر يمكن أن تكون سلاحا لتعميق هذه المسائل... وهناك الاتجاه الذي يحذر من النتائج السلبية العميقة التي يمكن أن تفرزها هذه الثورة, خاصة وأنها مازالت في الاساس حكرا على بعض دول الشمال الغني, وتهيىء له فرصة كبيرة لاستثمارها كسلاح لزيادة سيطرته وهيمنته سياسيا واقتصاديا وثقافيا على دول الجنوب... وتصل هذه النظرة المتشائمة في تقييم دور الثورة العلمية والتكنولوجية الى القول بأن العالم الثالث أو الجنوب الفقير يمكن أن يتحول الى ساحة واسعة كحقل تجارب للدول المالكة والقادرة... تجريب السلاح والادوية وتصدير النفايات النووية والصناعية ومعها اثارة الفتن الطائفية والعنصرية ويضربون أمثلة كثيرة على وقائع ومقدمات ثابتة وحاصلة... بينما يرى البعض الآخر, وبدون إغراق في التفاؤل أن جوهر الثورة العلمية والتكنولوجية المعاصرة هو جوهر إنساني ديمقراطي, ويربطون بين الازدهار العلمي في مجال الاتصال والمعلومات والهندسة الوراثية وبين ازدهار قيم الديمقراطية وحقوق الانسان والتكامل الثقافي. وأن هذه الثورة العلمية هي في النهاية ذات مضمون عالمي أوسع واشمل ولا يمكن أن تنحصر فقط في المفاهيم القديمة الخاصة بتطوير وسائل الانتاج وعلاقاته بل لابد وأن تنعكس على القوى المنتجة والمستهلكة على حد سواء. كما أن هذه الثورة بشقيها العلمي والانساني غير قابلة للتجزئة الجغرافية وتحصر الاستفادة منها والتعامل معها في الشمال فقط خاصة وأن دولا كثيرة في الجنوب قد استطاعت أن تتعامل مع مفرداتها وانتاجها. حقيقة إن المحاولات لن تنقطع من جانب بعض القوى والاتجاهات المهيمنة والمسيطرة للاتجاه والانحراف بها نحو تحقيق اهدافها الضيقة, ولكن الطابع الجماعي لتلك الثورة قد ساعد على تشكيل رأي عام له طابع دولي ومحتوى إنساني. إن الذي يحدث اليوم, وكنتيجة مباشرة للثورة العلمية والتكنولوجية هو تحديدا ما لم يكن أحد يتوقع حدوثه وبتلك السرعة, وهو يذكرنا بمجموعة القيم المعاكسة والمناقضة لما كان سائداً في أوائل هذا القرن والتي بشر بها كاتب كبير مثل برناردشو في مسرحياته الساخرة التي عصف فيها بالكثير من القيم والمعتقدات التي كانت سائدة ومستقرة... والذي لا شك فيه أننا بإزاء انقلاب يكاد يكون شاملا في مفاهيم وقيم كثيرة تجيء بها وتطرحها وتفرضها الثورة العلمية والتكنولوجية الهائلة, حتى قبل ان يستوعبها ويصوغها المفكرون والفلاسفة. ولعل اهم التغيرات التي تجري هو مفهوم العقد الاجتماعي نفسه بكل ابعاده ومفرداته... الدولة... والفرد... والمجتمع وهي قضايا تحتاج الى الكثير من البحث والدراسات المعمقة... * مدير مركز الأبحاث والدراسات ــ مصر