اذا كانت الطفرة النفطية قد ولىّ زمانها وبدأت حقبة جديدة تتسم بشد الاحزمة على البطون وتأخير, المشاريع الجديدة التي من شأنها تعزيز الحالة الاقتصادية المربكة وفتح آفاق اوسع لفرص العمل الجديدة, فإنه ينبغي إعادة قراءة الاولويات في موضوعة التنمية البشرية التي تأخذ مجالا وحيزا رئيسيا في توجهات منظمات الامم المتحدة في الآونة الاخيرة, حيث بدأت هذه المنظمات باصدار تقارير سنوية بدءا من العام 1990, في محاولة منها لطرح آفاق حديثة لمفاهيم التنمية بشكل عام والتنمية البشرية بشكل خاص كون هذه الاخيرة عماد التنمية الشاملة وهدفها في آن. بمعنى ان الانسان يجب ان يكون هدفا لأي نمط من انماط التنمية من خلال زيادة خياراته المجتمعية. وانطلاقا من محاولة تعديل المفهوم, وترافقا مع انتهاء الحرب الباردة, سعت المنظمات الدولية التابعة للامم المتحدة الى وضع مفاهيم جديدة في كل تقرير, ابتداء من مفهوم النمو الاقتصادي وانتهاء بالمفاهيم البيئية وعلاقاتها المتينة بالحركة الانتاجية والتصنيع ونوعية التكنولوجيا, وقد حاولت الدول الصناعية المتقدمة استغلال التوجه الجديد من خلال وضع مواصفات ومقاييس تتعلق بالمنتج النهائي وذلك لوضع عراقيل امام المنتجات التي تستخدم فيها تقنية متدنية لاترتقي الى المستوى الغربي الذي يحتكر التقنية المتقدمة, تحت ستار من الشعارات المتعلقة بالبيئة والتلوث, وفي توجه لابراز شعارات ظاهرها مهتم بشؤون البيئة وجوهرها اقتصادي وتجاري بحت له علاقة بالمنافسة وزيادة دخل خزائن الدول الغربية من الضرائب كما هو الحال مع ضريبة الكربون التي تنوي الدول الصناعية فرضها على استهلاك المنتجات النفطية, ما يشكل ضرراً مباشراً على الدول المنتجة والمصدرة لهذه المادة ومنها دول المنطقة. بيد ان هذه المفاهيم ليست سوى جزء بسيط من التعريفات العامة للتنمية البشرية التي يجري الصراع لتطويعها للاطراف القوية عالمياً على حساب الاطراف المتلقية لتكنولوجيا العصر والمستهلكة لها, ما يزيد من الفارق في الدخل اذا ما طبقت, بشكل واسع, نظرية تخفيض تكلفة المادة الخام التي تتمتع بها دول العالم الثالث مقابل رفع كلفة المنتج النهائي.. وهنا يبدو مربط الفرس, او المحور الذي يجب الولوج في تفاصيله, لمناقشة موضوعة التنمية البشرية في العالم الثالث, وبالاخص في دول مجلس التعاون التي تواجه ارهاصات ما بعد الطفرة النفطية والفوائض المالية. لقد درجت بعض المؤسسات الدولية على اصدار تقارير سنوية ودورية عن الاداء الاقتصادي لبعض الدول الملفتة, مثل دول النمور الآسيوية, وخلال اكثر من عقدين من الزمن كانت تقارير صندوق النقد والبنك الدوليين تشيد بالنمو الاقتصادي الذي كانت تحققه تلك الدول, بل وانعكاس ذلك على نسبة الفقر والأمية التي تقول التقارير انها تقلصت الى نسب ضئيلة, ما يعني ان تلك الاقتصاديات حققت من التنمية البشرية اهدافا كثيرة, اعتمادا على مقاييس النمو الاقتصادي التي لم تنخفض عن الثمانية بالمئة سنويا خلال عقدين. لكن هذه التقارير ذهبت ادراج الرياح حيث وقعت ازمة النمور في النصف الثاني من العام 1997م عندما تهاوت اسعار صرف العملات الوطنية وتكشفت حقيقة الاوضاع الاقتصادية وحجم الديون الخارجية التي بلغت في اندونيسيا وحدها مايزيد على مائة واربعين مليار دولار واكثر منه في كوريا الجنوبية ومن ثم تتحول تلك النمور الى قطط تئن تحت وطأة انخفاض سعر صرف عملاتها وعدم قدرتها على سداد ديونها الخارجية فتحاول إعادة جدولة هذه الديون وإضافة ( ديون انقاذ) جديدة لتقبع في نهاية الأمر تحت شروط وتوجيهات الدول المانحة ومؤسساتها الدائنة التي غالباً ما تبحث عن كيفية سداد الديون وليس عن التنمية البشرية. وما حصل في اندونيسيا, باعتبارها الحلقة الأضعف في دول النمور, ليس سوى مثال يجب استخلاص الدروس منه. فلم تشفع التقارير الايجابية لصندق النقد من ايقاف الانهيار الاقتصادي والسياسي الذي حصل هناك ولا يزال متفاعلاً. ولم توقف تقارير البنك الدولي من النزوح الجماعي تحت الخط الادنى للفقر المدقع والعوز والحرمان. وبينما كانت أزمة آسيا تتفاعل وتترك آثاراً على أسواق المال العالمية, وتصل إلى روسيا وامريكا اللاتينية, خرجت تقارير تشير وتؤكد على أن دول مجلس التعاون بعيدة عن تلك الأزمات, ويبدو ان البعض صدق هذه المقولة ليشيع التفاؤل بعضه مفرط, الذي اصاب فيما بعد اقتصاديات المنطقة بضرر بالغ انعكس في انهيار اسعار النفط وافول الرفاهية التي كان يجري الحديث عنها طوال عقدين ونصف من الزمن, ولتتحول الفوائض الى عجوزات في ميزانيات المنطقة, ويتزايد الحديث عن امكانية الاقتراض من الخارج والتخلص من بعض مؤسسات القطاع الحكومي الهامة بمشاركة القطاع الخاص جزئيا او كليا, هذا المأزق قاد الى التفكير في الخروج من (الورطة) فبرزت مفاهيم يقال ان لها علاقة بالعولمة التي تقود بلدوزراتها الدول الغربية الكبرى. لكن (فخ العولمة) خطير ان لم تدرك دول المنطقة تبعات الولوج في التفاصيل التي تريدها الدول الصناعية الباحثة هى الاخرى عن مخرج لتقليص نسب البطالة والتضخم وتراجع النمو الاقتصادي. بمعنى ان الأزمة عالمية حقا, والذكي هو الذي يخرج بأقل الخسائر والحفاظ على المكتسبات المتحققة ابان الفوائض والبحبوحة المالية. إن وضعا كهذا, لا شك سيؤثر على قواعد السلوك المجتمعية التي سادت في دول مجلس التعاون, ولا بد من فتح الباب واسعا أمام حوار جدي يستهدف بشكل رئيسي كيفية الحفاظ على مستويات التنمية البشرية من جهة والبحث في سبل تطوير هذه التنمية التي لم تعط حقها ابان الفورة ورعد الفوائض. فالمنطقة بحاجة لمكاشفة وشفافية وليس لفانتازيا البذخ التي اضحت ضارة خاصة في هذا الوقت العصيب الذي تعيشه المنطقة بحاجة لتعديل بنود في الميزانيات لصالح فرص العمل الجديدة والصحة والتعليم لمواجهة احتمالات قادمة لا تزال معالمها تتشكل وان كانت ببطء.