الكلام الذي يقال عن ان مشروع القمة العربية الطارئة, لايزال قائما, وان كل ماهو مطلوب, هو الاعداد الجيد لضمان نجاحها, كلام جميل, وكلام معقول, ما اقدرش ـ كليلى مراد ــ اقول حاجة عنه , على الرغم من ان كثيرين, يقولون عنه كلاما كثيرا يوشك ان يقضي على المشروع من اساسه, ومع ذلك فلا مفر من ان نقول عنه ــ بعض ــ وليس كل ما يمكن قوله. اما لماذا هو معقول, فلان مؤتمرات القمة, لا تنعقد لبحث المشاكل التي تطلبت انعقادها, والتوصل الى حلول لها, خلال الفترة القصيرة التي تستغرقها, والتي لاتزيد عادة عن يوم او يومين, وخاصة اذا كانت تلك المشاكل من النوع المزمن والمعقد الذي تواجهه الامة العربية, ولكنها تجتمع لوضع اللمسات النهائية على حلول تم التوصل اليها خلال مشاورات تجرى بين وزراء الخارجية, في اجتماعات معلنه تضم الجميع, او مشاورات ثنائية او ثلاثية عبر اتصالات خاصة, او اجتماعات غير معلنة, يجرى خلالها تبادل وجهات النظر المختلفة حول سبل الخروج من الازمة, وجس نبض كل الاطراف, وخاصة ذات الصلة المباشرة بها, حول الحد الادنى المشترك الذي يمكن ان يقبلوا به, وغالبا ما تنتهي هذه المشاورات الى الاتفاق حول بعض النقاط, لتبقى نقاط اخرى تعرض على اجتماع لوزراء الخارجية, يتوصل عادة الى اتفاق حول بعضها, ويتركون ما تبقى للملوك والرؤساء, ليكون موضوعا لمداولاتهم حين تنعقد القمة. ولان انعقاد القمة هو في حد ذاته, اعلان بان لدى اطرافها استعدادا للتوصل الى حلول, فلا معنى لانعقادها من دون التأكد مسبقا ان هذا الاستعداد متوفر لدى كل الاطراف, ولان التئامها لكي تنتهي بالفشل, لايقل سوءا عن عدم انعقادها بل لعله يزيد عنه, فاننا لم نسمع من قبل, عن اجتماع قمة ــ سواء كان عربيا او غير عربي ــ انعقد من دون اعداد او تشاور مسبق, اللهم اذا كان الهدف من هذا الانعقاد, هو القيام بتظاهرة سياسية على مستوى القمة, للتأثير على مواقف اطراف دولية, بشأن الموقف العربي الراهن, مع ان هذه الاطراف, اذكى واخبث من ان تخدع بمظاهرة تعلم انها لن تسفر عن اي موقف عملي, وانها سوف تنفض, ليعود كل المشاركين فيها الى بيوتهم. وربما لهذا السبب لم استرح كثيرا لتصاعد نغمة الدعوة لانعقاد القمة العربية حالا بالا وخلال شهر رمضان, وبدا لي ان الذين يتحمسون لذلك, يتجاهلون الواقع القائم, ويحاولون القفز عليه, وينطلقون من تفاؤل مبالغ فيه, ولايقدرون لاقدامهم قبل الخطو موضعها, ولم اجد مبررا لتلك الضجة التي اثارها تأجيل اجتماع وزراء الخارجية العرب, الذي كان مفترضا ان يعد لهذه القمة, ولم اجد للهجوم على الاجتماع الرباعي غير المعلن الذي اشيع بأنه انعقد في الغردقة, وضم وزراء خارجية مصر وسوريا واليمن وعمان, ضمن المشاورات التي تجرى بشأن انعقاد القمة, محلا للاعراب, فتلك كلها امور طبيعية, ومنطقية تماما, يتطلبها الاعداد الجيد والمسؤول لانعقاد القمة, ومن التزيد غير المستحب, القول بان هذه الدول تسعى لفرض وصايتها على القمة, او تشكل محورا, يقوم بوضع قراراتها بعيدا عن بقية المشاركين فيها, فمن حق كل الاطراف العربية ان تتشاور فيما بينها بشأن جدول اعمال القمة, بل هو من واجبها, ولو صح ان الاجتماع قد عقد بالفعل, فإن انعقاده ليس خاليا من المعنى, فمصر, هي الرئيس الحالي للقمة العربية الطارىء وهي المفوضة بالدعوة لانعقادها طبقا لما اتخذته القمة ذاتها في دورتها السابقة التي انعقدت عام 1996, واليمن هي التي تقدمت بطلب انعقادها للنظر في موضوع التضامن العربي والعدوان الامريكي البريطاني على العراق, وسوريا, تشترك مع مصر, في عضوية ميثاق دمشق, وسبق لها ان اعترضت على عدم تنفيذ مقررات القمة الطارئة, وعمان دولة خليجية, تنتمي الى كتلة عربية, هي طرف اساسي في الازمة الراهنة! اما الذي ازعجني بشدة, فهو ذلك التصعيد في الحملات الاعلامية المتبادلة بين اطراف عربية , بسبب الخلاف حول موعد انعقاد القمة العربية, ليس فقط لان مثل هذه الحملات, لن تعجل بانعقاد القمة, بل سوف تؤدى الى تأجيلها الى اجل غير مسمى, ولكن ــ كذلك ــ لانها لم تقتصر على الاطراف ذات الصلة المباشرة بالازمة الراهنة, بل تعدت ذلك, لتصيب آخرين, وخاصة الحملة على السياسة, والادارة, المصرية, وهي التي تحاول منذ سنوات, ان تلعب دور الوسيط بين الاطراف ذات الصلة, وتقريب وجهات النظر, او على الاقل الحيلولة دون مزيد من اشعال الحرائق, وهو دور لايستطيع غيرها ان يقوم به, وليس من المصلحة القومية ولا هو من مصلحة اي طرف من الاطراف المباشرة, دفعها بالهجوم ــ وخاصة الشخصي منه, لكي تتخلى عن القيام بهذا الدور, لان ذلك سوف يعود بالموقف العربي بمجمله الى سنة الصفر, التي كنا عليها في صيف 1990 وشتاء 1991, وسوف تقودنا الحملات الاعلامية المتبادلة, الى حالة استقطاب مشابهة, لما كان عليه الحال في تلك الايام السوداء التي قضت على كل عمل عربي مشترك, وشرذمت الامة الى شظايا وحولتها الى اشلاء لم يستطع احد أن يجمعها في جسد واحد من ذلك الحين! وحتى لو صح القول بأن تدخلاً اجنبياً هو الذي ادى الى تأجيل انعقاد القمة, فمن الخطأ ان نتصور ان هذا التدخل, لا يعبر عن رغبة بعض الاطراف العربية في الازمة, ومن عدم التقدير الصحيح للموقف, ان نتجاهل ان الازمة التي بدأت عربية / عربية, قد تحولت الى أزمة عربية / دولية, وان البحث عن حلول لها ينبغي ان يضع في اعتباره التعامل معها بالحالة التي اصبحت عليها بما في ذلك الوجود الاجنبي, سياسيا وعسكريا, والقرارات الدولية ذات الصلة, التي لا يمكن تجاهل انها اصبحت بالفعل طرفا فيها, ولا يمكن ان نضع مسؤولية اقحامها في الازمة على عاتق احد اطرافها.. وليس باستطاعتنا كعرب ــ ان نقصيها, او على الاقل ان نقلل من تأثير تدخلها, او نحول بينها وبين استثمار هذا التدخل, لصالحها, وعلى نحو يضر بمصالحنا القومية, الا بمقدار نجاحنا في ان نعيد تعريب الازمة, اي ان نتوصل الى حلول عربية لها, نتراضى عليها, ونتفاهم بشأنها.. ولا خطأ في المطالبة بتغليب المصلحة القومية على المصلحة القطرية, بشرط الا يعتبر احد مصلحته القطرية, هي المصلحة القومية, والا كان معنى ذلك انه يطالب الاخرين بالتضحية بمصالحهم من اجل مصالحه, وهو امر غير عملي, اما العملي والواقعي والممكن فهو ان نسعى للبحث عن نقطة التقاء تجمع بين المصالح القطرية, وبين المصلحة المشتركة والقومية, وهو ما يتطلب في ظل ما أصاب الاوضاع السياسية العربية من تشوهات والوضع الدولي من تغيرات صبرا ومهارة, ورغبة حقيقية في الخروج بالامة العربية, من النفق المظلم الذي دخلت اليه, منذ انهارت نظرية الامن القومي العربي في صيف 1990 العاصف, وشتاء 1991 الحزين. ومن حق الذين ازعجهم تأجيل انعقاد القمة العربية, ان يقلقوا, ليست فقط, لان شعار الاعداد الجيد للقمة الذي اتخذ ذريعة لهذا التأجيل مرفوع منذ سنوات, بحيث بدا لما لو كان ذريعة لعدم انعقادها, ولكن كذلك لان تداعيات الموقف الراهن, تنذر بشر مستطير, فقد توقفت عملية ثعلب الصحراء في الموعد المحدد لتوقفها لكي تتيح للعرب فرصة التمتع بحل فوازير رمضان, والانشغال بفض الاشتباك بين ابطال مسلسلاته, على وعد مؤكد باستئنافها اذا دعت الضرورة ذلك, وكل الشواهد تدل, على ان هذه الضرورة قائمة, فالعراق يصر على عدم اعادة لجنة التفتيش الدولية, وعلى عدم الالتزام بقرار حظر الطيران الذي فرض عليه خارج نطاق قرارات مجلس الامن, و(كلينتون) و(بلير) يعتبران رمضان هو الشهر الحرام, ولا يعتبران شوال كذلك, فاحتمال الضرب قائم, وقادم.. ومن واجب الذين طالبوا بالاعداد الجيد للقمة, ان يكثفوا من جهودهم للانتهاء من هذا الاعداد في اسرع وقت ممكن قبل ان تدهمنا الحوادث, وان يتعالى اكثرنا قدرة على ضبط اعصابه, وحرصاً على المصلحة القومية, عن الدخول في تلك الحرب الاعلامية, التي لا جدوى من ورائها الا شرشحة الامة التي لم تعد تتحمل مزيدا من الشرشحة, وان يسعى الجميع للضغط على الاطراف ذات الصلة المباشرة بالازمة, لكي تجتمع معاً, وتتوصل الى اتفاق ينهي ما بينها من خلاف, ويتعهد فيه الجميع بصيانة امن الجميع, وباحترام حقوق الجميع.. ومن المهم ان يعرف الجميع, ان القمة لا تنعقد فقط, بسبب الازمة الراهنة بين العراق والولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا, ولكنها تنعقد اساساً, لكي تجمع اشلاء الامة التي تمزقت, وتلملم شظاياها التي تناثرت, وتعيد احياء نظرية الامن القومي العربي, التي انهارت, فأصبحنا اقرب ما يكون الى الدخول من باب محاق التاريخ! اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد!