العاقل منا هو من ينتهز فرصة انخفاض اسعار النفط هذه الأيام, فيعلن حملة تقشف عائلية وترشيد إنفاق بيتي, وذلك جريا على قرارات الحكومات المتضررة من هذا الانخفاض في ميزانياتها العامة, خاصة ان اعتمادنا من بعد الله على هذه الميزانيات, التي نقبض منها رواتبنا وبقية مستلزمات معيشتنا من علاج وتعليم وترقيات وعلاوات وغيرها . وبما أننا من دون هذه الميزانيات لا نسوى شيئا, فإن اقناع الشعب, أي أهل البيت من زوجة وأولاد, أمر ممكن, فإذا لم يقتنع هذا الشعب بحجة انخفاض أسعار النفط, فعلى الأقل بحجة الادخار والتوفير للأيام المقبلة التي تنذر بانتهاء أيام الرخاء والبحبوحة, فنوفر من التقشف وشد الاحزمة على البطون الدرهم الابيض لليوم الاسود الموعود. وهكذا فإنه اذا جاء الولد الصغير يريد خمسة دراهم بعد الظهر لزوم البطاطا المقرقشة والبفك من عند الدكان, فالافضل حرمانه من هذا المبلغ لان النفط لم يعد كما كان, واذا جاء أخوه الاكبر يريد الخمسين درهما للذهاب مع أصدقائه إلى مركز تجاري, فتخفيض المبلغ الى عشرين درهما, هو عين العقل, لأن الميزانية مش ولابد والمستقبل ينذر بأخطار. وعلى المنوال نفسه يمكن اجراء تخفيضات فعلية كثيرة في الانفاق العام العائلي, منها على سبيل المثال تحذير الولد من ألا تتجاوز فاتورة هاتفه المتحرك 25 درهما في الشهر على الاكثر, مقابل اكثر من مائتين حاليا, وتخفيض المصروف الشهري من 500 درهم لكل ولد الى 250 درهما فقط, والغاء المصاريف الزائدة الاخرى شبه اليومية, لزوم المراكز التجارية أو كافتيريا الحي أو المقهى او صالة الألعاب الرياضية. طبعا هؤلاء الاولاد الذين يعرفون تماما أن لا علاقة لهم مباشرة مع النفط لن يكون إقناعهم سهلا, الا بتحذيرهم من أن الراتب الشهري لوالدهم, والذي هو المورد الرئيسي للميزانية العامة في العائلة, مثله مثل النفط, ربما تعرض الى خصومات عديدة من الحكومة او الى تخفيض, وعلى احسن الاحوال, فهو لن يزيد من الآن وصاعدا لا علاوة ولا بدلات ولا ترقية, حتى يفتح الله على النفط ويعاود الصعود, ما يقتضي مع مثل هذه الظروف الصعبة اعتماد مبدأ الترشيد فعلا والحد من النفقات الاستهلاكية تحديدا. ولابد أن شيئا من السخط سوف يظهر على الاولاد, من هذه الاجراءات الاقتصادية الجديدة التي لم يتعود أحدهم عليها من قبل, ويواكبه بعض حركات التمرد, كأن يهدد أحدهم متعللا بالملل من طول المكوث في البيت بتكسير بعض أجهزته وأدواته لطول الاستخدام, أو بالتمرد على المدرسة والانصراف عن المذاكرة, إلا أن الصبر مع مثل هذا التمرد مطلوب, فكما تعود الولد من هؤلاء على البذخ والبحبوحة, عليه أن يتعلم الآن على ترشيد الانفاق والتقشف وربط الحزام على الجيوب. طبعا هناك مصروفات لا يمكن ان تشملها سياسة الترشيد هذه, أولها الخدمات الاساسية من مأكل وملبس, وآخرها المصروفات الخاصة بالزوجة نفسها, باعتبار هذه المصروفات هي الحد الادنى المطلوب من الرعاية ومن النفقات الاساسية التي لا تمس, وان كان في الامكان اجراء تعديلات طفيفة عليها, كشراء الفواكه بالدرزن بدلا من الكرتون سابقا, لكي لا تتلف فترمى أو استبدال الرز البسمتي بالرز الامريكي الارخص, والاستغناء عن شراء نعلة بألف درهم لصالح نعلة بمائتين فقط, وهكذا الى ان يرتفع النفط مرة أخرى, فتعود حليمة الى عادتها القديمة.