تحدث العالم كثيراً عن ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية, ثم صار يهذي بإنجازات ثورة وسائل الاتصال والاعلام, ولما أتاحت التكنولوجيا نفسها للاعلام لم يعد بوسع كائن على وجه الأرض أن يخفي انبهاره وامتنانه لهذا الشعور الغامر بالتفلت والخلاص من كل أشكال القهر وقمع حرية المعرفة وممارسة فضيلة كانت منسية منذ قرون ألا وهي: الجهر بالرأي الآخر. وكلنا يذكر ما آل إليه الدكتور عبدالله النفيسي من قمع وضغوط عندما أصدر كتابه الذائع الصيت: (الكويت... الرأي الآخر) في لندن, وكان ذلك في بداية الثمانينات, أما اليوم فإن أستاذ السياسة الفذ يمارس رأيه وبكل حرية تحت قبة البرلمان الكويتي ومن موقع المعارضة, فيسمع العالم كله هذا الرأي صريحا قويا متدفقا كعنفوان نهر هادر, ولا سر في المفارقة, كل القضية أن التكنولوجيا خدمت الاعلام, فصارت تقنية الاتصال الجماهيري أقوى من كل هراوات رجال الأمن والمخابرات وأوامر المصادرة في كل العالم! من هنا يأتي سؤالنا دائما, وسيظل ينهمر طالما آمنت السلطات بحريتها المطلقة في اختراق حقوق الإنسان دون رادع, وتحت حماية النفوذ وأجهزة الأمن وآلة القمع المرعبة التي تمتلكها, يظل السؤال قائما فيه شيء من السذاجة ــ ربما ــ وبه كل الرغبة في الوصول إلى شكل جميل من التوافق والتصالح الاجتماعي, والسؤال هو: لماذا تخشى السلطة من الرأي الآخر؟ من أوهم هذه السلطة بأن نهايتها في منطقة الرأي الآخر؟ من أقنعها بضرورة تلبس الشراسة إزاءه لكي تبقى وتستمر؟ ومن هذا الذي يضع كل السواتر حتى لا ترى ما آلت إليه آلة تكنولوجيا الاتصال الرهيبة في زماننا وفي يومنا هذا من نفوذ وسلطان على عقول الناس وقلوبهم؟ لقد اخترقت هذه التكنولوجيا كل المناطق المحرمة في تفكير وأدمغة البشر واستباحت مناطق استثارة الأسئلة, وصارت النخب والجماهير تدين بالولاء (الذهني) لهذه التكنولوجيا, وترتدي كل الأقنعة المطلوبة لضمان نجاتها عندما تخاطب السلطة, صارت هذه النخب وهذه الجماهير تقاوم سلطاتها بالحيلة التي تزودها بها تكنولوجيا الاتصالات المتاحة كالهواء والماء وبإذن السلطات نفسها! لقد أصبح من الصعوبة البالغة لكل دول العالم أن تقف كما كانت في الماضي دون (هذا التدفق الاعلامي الذي كسر حواجز الجغرافيا والسياسة وأحال أجهزة الرقابة إلى مجرد ذكريات تاريخية) على حد تعبير أحد الكتاب العرب. وعليه فلم يعد بإمكان أية دولة أن تمنع شعبها من أن يعرف ما يدور حوله وما يجري خارج غلافه الجوي وما بعد مياهه الإقليمية, لقد صار تزييف المعلومات وإخفاؤها ــ كما تحاول بعض الأنظمة ــ لعبة مكشوفة وأحيانا أقرب لألعاب (الاستخفاء) التي يمارسها الأطفال. لم تعد الشعوب قاصرة ــ ولم تكن قاصرة ذات يوم ــ وما عاد من حق أية دولة أو حكومة أن تلعب دور الوصي القلق على حال الأطفال الذين تحت وصايته, فيتكلم عنهم ويفاوض في أموالهم وحقوقهم بالنيابة عنهم, ويشتري ويبيع ويتنازل كذلك نيابة عنهم, ثم يجعلهم يعرفون ما يريده هو فقط, بحجة أن هذا فقط ما يلزمهم! لقد انتهت مرحلة الوصاية, والفضل يرجع لتكنولوجيا الاعلام والاتصال, فهل وعينا هذه الحقيقة أم لا؟