قبل أربع وثلاثين عاما, بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الشعب العربي الفلسطيني, تمثلت بتأسيس كيانه السياسي الوطني (منظمة التحرير الفلسطينية), وبانطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني . وبهاتين المبادرتين, عبّر الفلسطينيون عن رغبتهم باعادة تنظيم أوضاعهم والامساك بزمام المبادرة بأيديهم, وترسيخ حضورهم كشعب في مواجهة محاولات الالغاء والتغييب الاسرائيلية, ومن أجل استعادة أرضهم وحقوقهم ووطنهم. في حينه استمد هذا النهوض الفلسطيني الكثير من مصادر قوته وشرعيته من عمقه العربي, ومن مناخات الصراع العربي الصهيوني, وبحكم الطابع القومي للقضية الفلسطينية, وايضا بحكم الوظيفة السياسية للكيان الاسرائيلي في المنطقة. في مطلق الاحوال لم يكن في الامكان المراهنة على قدرة الفلسطينيين لوحدهم على الحاق الهزيمة باسرائيل, وان الكفاح المسلح الفلسطيني بأشكاله البسيطة المعروفة, يمكن ان يجبر اسرائيل على الانسحاب من الاراضي التي تغتصبها أو تحتلها, فقد كانت المهمة الممكنة والمطلوبة هي اعادة صوغ وضع الفلسطينيين, بعد الانهيار الذي حصل نتيجة اغتصاب أرضهم ووطنهم وتشردهم, والمساهمة من هذا البعد في الجهد القومي لافشال المشروع الصهيوني وتفويت استهدافاته, وصولا لهزيمته. ولكن حرب يونيو 1967 بنتائجها الكارثية والمأساوية, غيرت المعادلات السياسية, وغيرت جدول الاولويات, بقدر تغييرها في الواقع, اذ لم يعد مطروحا في الاطار الرسمي العربي مبدأ النقاش حول وجود اسرائيل, بل بات الموضوع يتناول شكل هذا الوجود وعلاقته بمحيطه, أي انه بات يتعلق بمقاومة عدوانية اسرائيل ومواجهة سياساتها التوسعية. وفي هذا الوضع تماثلت السياسات الرسمية العربية مع السياسة الدولية, وقد أدى هذا الوضع الى تناقض السياسة الفلسطينية مع السياسة العربية, بكل تداعيات هذا الموضوع. فيما بعد وبسبب ظروف الشتات الفلسطيني, وخضوع العمل الفلسطيني لضوابط واشتراطات متعددة, ثم بسبب طبيعة القيادة الفلسطينية, بميلها للمساومة والمناورة وبسبب وعيها لحساسية الحالة الفلسطينية وضعفها في معادلات وحسابات وموازين القوى, جرت عملية التماثل بين السياسة الفلسطينية والسياسة الرسمية العربية, بتبني منظمة التحرير الفلسطينية, البرنامج المرحلي, حيث على اثر ذلك تم الاعتراف بهذه المنظمة, في مؤتمر القمة العربية في الرباط (العام 1974), ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني, وباتت بذلك المنظمة جزءا من النظام السياسي العربي, وهذا هو التناقض الرئيس الثاني الذي طبع الحالة السياسية الفلسطينية بطابعه, فهذه الحالة لم تعد مجرد حركة وطنية, وهي بنفس الوقت لم تصبح نظاما كغيرها من الانظمة. وفي الحقيقة فهذه التناقضات التي نمت في الساحة الفلسطينية, عبرت عن نفسها بأزمات متواصلة, وذلك بسبب خصوصية الوضع الفلسطيني, بحكم ظروف الشتات وتعقيداته, وبحكم مواجهة الحركة الفلسطينية لعدو يتفوق استراتيجيا عليها, خاصة انه تم صوغه في مواجهة الوضع العربي, وايضا بحكم تخلف العلاقات الداخلية وغياب المؤسسة والعلاقات الديمقراطية, ولابد من التنويه ايضا الى المداخلات العربية التي لعبت دورها في تعميق الخلافات والأزمات في الساحة الفلسطينية. من كل ما تقدم يمكن الاستنتاج بأن أزمة العمل الفلسطيني هي في الحقيقة أزمة بنيوية نشأت مع الحركة الوطنية الفلسطينية, منذ انطلاقتها الأولى قبل ثلث قرن, وان هذه الأزمة تعززت مع ظهور عملية التسوية بحكم المتغيرات التي فرضتها هذه العملية على أوضاع الشعب الفلسطيني, وبحكم تغير مظاهر ومستويات الصراع ضد اسرائيل, وايضا بحكم المتغيرات الدولية والاقليمية, وما يهمنا هنا هو تأثير عملية التسوية على النظام السياسي الفلسطيني, والمقصود هنا بالطبع مجمل الاشكال السياسية العاملة في الساحة الفلسطينية, بغض النظر عن خطابها السياسي, وسواء كانت في جانب السلطة أو في موقع المعارضة. فمنذ توقيع الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي في أوسلو (1993), تحولت الحركة الوطنية الفلسطينية, أو على الاقل جسمها الرئيس, الى نظام سياسي بعد ان عاشت مشكلات الازدواجية بين كونها حركة تحرر, أو بين كونها نظام يمارس السلطة ويقدم الخدمات, وهو الوضع الذي كانت عليه في عقدي السبعينات والثمانينات. والمشكلة الأساسية التي ظلت تحيط بعملية التحول, هي ان عملية الانتقال من مسار التحرر الوطني الى مسار النظام السياسي, لم تكن نتيجة لتطور طبيعي, ولم تحصل بنتيجة انجاز مهام المرحلة الأولى (خاصة بالنسبة لاستعادة الارض, وتقرير المصير, فضلا عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين), كما ان هذه العملية الانتقالية, لم تحصل بسبب تراجع العدو عن الاحتلال, لكل هذه الأسباب, فإن هذه العملية الملتبسة أصبحت جزءا مكونا للأزمة الراهنة, بل انها تسببت في تعميق الانقسام الفلسطيني. وهكذا برزت مشكلات جديدة, في الساحة الفلسطينية اذ ظهرت مهمات البناء الوطني وكأنها بديلا عن مهمات التحرر الوطني, كما بدت مصالح المجتمع في الكيان الفلسطيني (في الضفة والقطاع) في مواجهة مصالح الشعب الفلسطيني في منطاق اللجوء والشتات, هذا فضلا عن التناقض بين السلطة الفلسطينية ومكانتها التمثيلية المرجعية, في مواجهة دور منظمة التحرير الفلسطينية, ومكانتها التمثيلية المرجعية. وقد برزت كل هذه الالتباسات والتناقضات في العديد من المفاهيم والسلوكيات التي تحاول تمثيل المرحلة الجديدة, لابوصفها بناء على المرحلة الماضية, (ان صح التعبير) بل على العكس من ذلك اي على اساس القطيعة مع المرحلة التحررية وتبني مفاهيم تؤدي الى وضع المرحلتين في تناقض مستحكم بعيدا عن اية محاولة لاستنباط الحلول والمفاهيم التي قد تساهم في ايجاد اجوبة تتناسب مع تعقيدات القضية وظروف الشعب الفلسطيني ومصالحه المرحلية والمستقبلية. وتستمد الازمة الفلسطينية مبررات استمرارها من طبيعة القوى التي تتصدر واجهة العمل الفلسطيني اساسا بغض النظرعن مواقفها وبشكل نسبي كما تستمد هذه الازمة جزءا هاما من مبرراتها من الواقع العربي الراهن, ومن طبيعة المشروع الصهيوني ودوره الوظيفي, هذا اضافة الى البعد الدولي لهذا الكيان وتأثيراته المحددة على الصراع في المنطقة خصوصا في البعد الفلسطيني ــ الاسرائيلي. في هذا الاطار لابد من الاشارة الى اهمية العامل الذاتي الفلسطيني ومكانته في الازمة الراهنة المرشحة للاستمرار, مادامت القوى الفلسطينية السائدة لم تصل الى مرحلة النضج الذي يؤهلها لمعالجة هذه الأزمة في شقها الذاتي للمساهمة في التغلب على البعد الموضوعي لها. ان مايعمق الازمة في الساحة الفلسطينية, هو انتماء معظم القوى السياسية السائدة للماضي بخطابها واشكال عملها وبناها وبعدم قدرتها على المراجعة الذاتية واعادة البناء, واستنباط الاشكال النضالية ببعديها المتلازمين المتكاملين التحرري والبنائي هذا من جهة ومن الجهة الاخرى فإنه مما يعمق هذا الازمة التقييدات الموضوعية التي يتعرض لها العمل الفلسطيني في مناطق اللجوء والشتات بسبب خضوعه لانظمة اجتماعية ــ اقتصادية ــ سياسية متباينة والتزامه اشتراطات ومستلزمات متعددة هذا فضلا عن ان المرحلة الراهنة هي بحد ذاتها مرحلة انتقالية بكل مالهذه الكلمة من معنى ومحددات فليس متوقعا خلالها ايجاد الاجوبة النهائية والكافية لكل معضلات الازمة. اخيرا مايعمق هذه الازمة هوالاستقطاب الحاصل في الساحة الفلسطينية بين طرفين متناقضين ومتناحرين, احيانا وهو وضع يعبرعن خطورة الازمة ووصولها مراحل عالية, لايمكن ان تخدم الا الطرف الاسرائيلي الذي يوظف هذه التناقضات لصالح استمرار الاحتلال ان مباشرة أو مداورة, وهذا الاستقطاب الذي يعبر عن التشنج ورفض الحوار مع الآخر, وتاليا, رفض تفهم أسبابه ودوافعه, وصولا إلى رفض أي شكل من أشكال التنسيق أو العمل المشترك ولو في أي مجال, ومن أي مستوى, إنما يعبر عن جمود الفكر السياسي الفلسطيني وتكلسه, أكثر مما يعبر عن التمسك بالثوابت لدى أي كان. فالسلطة الفلسطينية, في الضفة والقطاع, تقوم بجملة من الممارسات التي توحي وكأن القضية الفلسطينية قد أنجزت, ما دامت دخلت في اطار المسار التفاوضي مع اسرائيل وان مهام مرحلة التحرر الوطني, أصبحت قاب قوسين أو أدنى, وثمة قطيعة مع مفاهيم هذه المرحلة وأشكالها النضالية, في مقابل مفاهيم السلام والتصالح والتفاهم, ليس هذا فحسب, بل ان أية محاولة لجسر العلاقة بين مرحلتي التحرر والبناء, أو المزاوجة بينهما لا تبدو قائمة, على الأقل في أذهان هذا الطرف, لدرجة أن مهام البناء التي يتم باسمها القطيعة مع مهام التحرر تبدو هي بدورها مهددة من الأساس, سواء بالنسبة لضعف السعي لتعزيز الوحدة المجتمعية للفلسطينيين, أو بالنسبة لاعادة صوغ وحدة القوى السياسية التمثيلية, أو في مجال تدني التوجيه نحو صوغ بنى مؤسسية وعلاقات ديمقراطية حقيقية والتوجه نحو أولويات اقتصادية وطنية تلائم المجتمع الفلسطيني ومتطلبات فك الارتباط مع الاحتلال, وعلى العكس فنحن نشهد ازدياد الميل نحو تعزيز المؤسسات العسكرية وتغييب القانون, واضعاف هيئات المجتمع المدني وتهميش الحياة الديمقراطية على كافة الأصعدة. وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على اتفاق (أوسلو) , يبدو سجل السلطة الفلسطينية مليئا بالملاحظات والأخطاء والمشكلات, من النواحي المتعلقة بانتهاكات حقوق الانسان وحرية الرأي والتعبير والإعلام, إلى المحسوبية والفساد الاداري, وصولا إلى تعثر الأولويات في التنمية الادارية والاقتصادية, هذا فضلا عن مشكلات الادارة السياسية للمجتمع والعلاقة مع مختلف القوى, ثم الملاحظات على الأداء التفاوضي, وهذه القضايا كلها تضعف من صدقية النظام الفلسطيني, كما انها تربك علاقته مع المجتمع, هذا بالاضافة لتكريس التبعية لاسرائيل في المجالات الأمنية والاشتراعية والاقتصادية وفي مختلف جوانب المسألة السيادية. أما في الخارج فيبدو النظام الفلسطيني مرتبكا إزاء ازدواجية المهام والمرجعية بينه وبين منظمة التحرير الفلسطينية, كما بالنسبة لمسألة تمثيل الشعب الفلسطيني, والاهتمام بشؤون الفلسطينيين العديدة والمريرة, هذا فضلا عن التساؤل المطروح حول وجاهة فكرة انتفاء الطابع الصراعي, وأشكال العمل المترتبة علىه, لدى السلطة الفلسطينية التي باتت تحدد شكل العلاقة مع الطرف الاسرائيلي, الذي مازال يعمل من جهته بناء على استمرار المعادلة الصراعية مع الفلسطينيين. أما على الجهة الاخرى, وبعد سنوات من المعارضة الطويلة (المأزومة) التي بدأت بالنسبة للبعض منذ مطلع الثمانينات (على الاقل), وبالنسبة للبعض منذ مؤتمر مدريد (أواخر 1991), والتي تبلورت أكثر مع توقيع اتفاق أوسلو, فان الصورة لا تختلف كثيرا, وان اختلفت في مواقفها, فما زالت هذه المعارضة عاجزة عن بلورة اوضاعها في اطار تمثيلي مناسب, كما أنها عجزت عن بناء مؤسسات موحدة ولم تستطع انتاج الخطاب السياسي الذي يمكن ان يستقطب الشعب الفلسطيني من حوله سواء داخل الأرض المحتلة أو خارجها, هذا اضافة للعجز الحاصل في توليد ديناميكية نضالية بديلة في مواجهة الاحتلال (فيما عدا العمليات المستمرة لحركتي حماس والجهاد الاسلامي). وهكذا لم تستطع قوى المعارضة ان تتمثل الجانب التحرري ولا البنائي, في العملية الوطنية الفلسطينية, رغم مرور سنوات طويلة على قيامها, لاسباب ذاتية خاصة وموضوعية أحيانا. في إطار هذه الأزمة الفلسطينية, التي تطال مختلف الأطر الفلسطينية, بغض النظر عن مواقفها السياسية, تبرز بعض الاطروحات السياسية التي تحاول صوغ تصورات للخروج من الأزمة, باعادة الاعتبار لبعدي العمل الفلسطيني التحرري والبنائي على أساس التكامل والتلازم بينهما, وفي محاولة لتفهم الظروف الفلسطينية الصعبة, من دون الاجحاف بالحقوق الفلسطينية الكاملة, وأيضا بايجاد مقاربة ما بين واقع وجود سلطة فلسطينية وبين الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية للشعب الفلسطيني, وعلى أساس ترشيد الأداء السياسي للسلطة, واصلاح مؤسسات المنظمة ومن ضمن كل ذلك تصويب العلاقة مع المجتمع الفلسطيني, وبلورة اطارات عمل وحدوية وتعددية وديمقراطية. وهذا التوجه الذي يعمل عليه بعض المثقفين الفلسطينيين, تحاول تمثله حركة حماس والجبهتان الشعبية والديمقراطية, وبعض الشخصيات الوطنية الفلسطينية, بشكل أو بآخر, وهو توجه مازال بحاجة الى مزيد من الجهود لانضاجه وتبلوره فهذا التوجه يعبر في حقيقته عن شكل متوازن لحل الازمة في الساحة الفسلطينية عبر ايجاد توافق مناسب بين تفهم واقع موازين القوى, وبين متطلبات الحل العادل الممكن ومراعاة الشروط الراهنة للعمل, وامكانيات المستقبل المفتوحة وهذا الاتجاه الذي يشق طريقه ببطء وبصعوبة انما يعبر عن توجهات غالبية الفلسطينيين الذين باتوا تحت ضغط واقع صعب ومعقد فلا السلطة تمثل كل آمالهم ولا المعارضة بواقعها تلبي حاجاتهم مما يدفعهم للبحث عن بديل, والتفكير فيه, والعمل لبلورته بعد ثلث قرن على النهوض الفلسطيني, هل يمكن لهذا النهوض ان يستعيد زخمه؟ هذا هو التحدي.