بعد اعلان ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية, عن امكانية اعلان الدولة الفلسطينية, بوصفها شأنا داخليا فلسطينيا لا علاقة به لاسرائيل, هدد رئيس الوزراء الاسرائيلي , بانه يملك خطة متكاملة وشاملة للرد على مثل هذا الاعلان, دون ان يحدد ماهية هذه الخطة, وقد تكرر الاعلان الفلسطيني كما تكررت التهديدات الاسرائيلية. ان السؤال عن ماهية الرد الاسرائيلي اذا ما اعلنت السلطة الفلسطينية الدولة, ليس وليد اللحظة السياسية الراهنة, فهو مطروح منذ ان صاغ مناحيم بيجن رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق خطة الحكم الذاتي في العام 1977 كحل للوضع الفلسطيني في اطار اتفاقات كامب ديفيد. وقد جمع بيجن في حينه اعضاء اللجنة الوزارية للشؤون الامنية, وعرض عليهم خطته للحكم الذاتي. وفي ذلك الاجتماع حذر ارئيل شارون الوزير في حكومة بيحن من ان خطة الحكم الذاتي تشكل (وعد بلفور - الفلسطيني واذا لم تتخذ اسرائيل تدابير وقائية معينة, فان ذلك سيؤدي الى اقامة دولة فلسطينية) . وفي وقت لاحق طرح شارون على بيجن السؤال ذاته المطروح الآن امام حكومة نتانياهو: (ماذا سنفعل, اذا قررت ادارة الحكم الذاتي للفلسطينيين الاعلان عن نفسها كدولة, واعترفت بها معظم دول العالم؟) في حينها اجاب بيجن بان اسرائيل (ستعتقلهم وتزج بهم في السجون) وحسب شارون, فان الجواب بدا حينها مقنعا. لكن العام 1999 ليس العام 1977 فقد جرت امور كثيرة منذ ذلك الوقت, وما بدا مقنعا في العام ,1977 هناك عقبات لايمكن تجاوزها بسهولة في العام 1999 فليس من السهل على نتانياهو ان يعتقل اعضاء السلطة الفلسطينية في حال اقدامها على اعلان الدولة الفلسطينية, رغم انه يملك العديد من الخيارات القاسية في مواجهة السلطة. الا ان هناك حسابات كثيرة يجب ان يأخذها بعين الاعتبار اذا اراد ان يجتاح مناطق السلطة الفلسطينية واعتقال السلطة كما كان حال جواب بيجن في العام 1977. والعقبات امام مثل هذا القرار ليست خارجية فحسب, بل هناك ايضا عقبات داخلية فالدولة الفلسطينية التي كانت احد المحرمات الاسرائيلية الى سنوات خلت, لم تعد كذلك بعد اتفاقات اوسلو, والجدل الواسع في المجتمع الاسرائيلي حول الدولة الفلسطينية, فالمعارضة العمالية اسقطت معارضتها للدولة الفلسطينية, وهناك قطاعات واسعة في المجتمع الاسرائيلي تؤيد مثل هذا الخيار. حتى وصلت عدوى تأييدها خيار الدولة الفلسطينية الى الليكود والاحزاب اليمينية والدينية. فالحظر في اسرائيل على مصطلح (الدولة الفلسطينية) قد سقط مع دخول اسرائيل عملية السلام. فلم تعد الدعوة الى الدولة الفلسطينية دعوة شاذة في اسرائيل, كما كانت الحال لسنوات خلت, بل ان هذا المصطلح اصبح المصطلح الاكثر تداولا في النقاش السياسي في اسرائيل. في اطار عملية السلام الجارية انتقل الجدل الى داخل الليكود والاحزاب اليمينية الاسرائيلية, واذا كان عيزرا وايزمان الرئيس الاسرائيلي الحالي, قد اضطر خلال فترة تحوله من صقر في الليكود الى مؤيد لقيام الدولة الفلسطينية, الى الانتقال من الليكود الى العمل, فان الاصوات التي تتعالى في الليكود بالدعوة الى اقامة دولة فلسطينية لا تغادر مواقعها بل تبقى في اطار تكتل الليكود. وكان آخر المؤيدين لاقامة دولة فلسطينية روني ميلو الوزير الليكودي السابق ورئيس بلدية تل ابيب حاليا, وبذلك ينضم الى مائير شطريت من الليكود. ويهودا لنكري من حزب غيشر المندمج مع الليكود. خلال حملته الانتخابية, وخلال الاشهر الاولى من تسلمه رئاسة الوزراء في اسرائىل صاغ نتانياهو مجموعة واسعة من اللاءات, التي تنطلق من القاعدة الايديولوجية اليمينية التي تنادي بـ (ارض اسرائىل) اضافة الى الهوس الامني الذي حمله معه نتانياهو الى السلطة ويبدأ طيف اللاءات من لا لمنظمة التحرير الفلسطينية ولا لاتفاقات اوسلو, مرورا بلا للدولة الفلسطينية ولا لاخلاء المستوطنات, وصولا الى لا لتقسيم القدس. وعندما صرح بارايلان مستشار نتانياهو, ان الحكم الذاتي سيؤدي في نهاية المطاف الى دولة فلسطينية, اثار عاصفة استياء واسعة في الليكود, ورغم طلب نتانياهو من بارايلان, ان يقول بأن تصريحه يعبر عن رأيه الشخصي الا ان المراقبين في اسرائيل يعبرون عن اعتقادهم الجازم بان هذا التصريح, هو بالون اختبار اطلقه نتانياهو. وما ان هدأت عاصفة تصريح بارايلان, حتى جاءت وثيقة ايتان - بيلين, ليضع اعضاء من الليكود توقيعهم على وثيقة تنص على خيارين لموضوع مكانة الكيان الفلسطيني, الاول ان يتم الاعلان عن الكيان الفلسطيني دولة مستقلة, والثاني, تعريف الكيان الفلسطيني على انه حكم ذاتي موسع, وبصرف النظر عن الملاحظات على هذه الوثيقة والتنازلات التي قدمها حزب العمل في اطارها, الا ان هذه الوثيقة, تشكل اول سابقة يوقع عليها اعضاء من الليكود تنص على خيار الدولة الفلسطينية, رغم انه لايعبر عن رأيهم, ورغم ان الوثيقة غير ملزمة. ولكن ما تشير اليه الوثيقة, هو تراجع العداء الحاد الذي كان يثيره مصطلح (الدولة الفلسطينية) في الليكود. ان الحظر الصارم الذي كان سائدا على مصطلح (الدولة الفلسطينية) في الليكود قد اخذ يتفكك, ويقول مئير شطريت عضو الكنيست عن الليكود, (عندما افكر اليوم في انهم ارادوا طردي من الليكود لانني لم اصوت ضد اتفاقات اوسلو, اضحك وآمل ان الامور التي اقولها اليوم - الدولة الفلسطينية - ايضا ستغدو مشروعة بعد وقت قصير) . ويعتقد شطريت ان (كل تنازل تقدم عليه اسرائىل في ظل حكومة الليكود, سوف يجد قبولا وطنيا واسعا جدا. ولن ينشأ الشرخ الذي كان قائما في عهد حكومة العمل. الصقور وحدهم يمكنهم ان يصنعوا سلاما باجماع وطني, مثلما يمكن للحمائم فقط ان يصنعوا حربا بالدرجة نفسها من الاجماع. وانا لا اجزم بضرورة اقامة دولة فلسطينية, ولكن الكلمة لا تخيفني, ولا يهمني ان تسمى دولة ما دامت عليها قيود تحفظ المصالح الاسرائيلية. واذا لم نقدم على ذلك بمبادرتنا. فسوف يفرض علينا حل اقل راحة) . وبالعودة الى الهدف الفلسطيني من وراء القرار باعلان الدولة في مايو ,1999 فإنه يقوم على اساس الضغط على حكومة نتانياهو من الخارج بحشد التأييد الدولي لهذا الاعلان بحيث يشكل ردا على سياسات نتانياهو التعطيلية في اطار المفاوضات المتوقفة عمليا منذ ثمانية عشر شهرا. ورغم الشكوك في ان تعلن السلطة الفلسطينية الدولة في الشروط التي كبلها بها اتفاق اوسلو, الا ان السؤال عن التعامل الاسرائيلي مع هذه الخطوة يبقى مفتوحا على احتمالات متعددة, واقواها استثمار نتانياهو لهذه الخطوة لتكريس سياسته بوصفها الرد الامثل على عدم الالتزام الفلسطيني بالاتفاقات الموقعة. واذا كان نتانياهو لن يقدم على الحل الذي قال به بيجن في العام ,1977 فإن هذه الخطوة قد تخدم سياسته وتشكل المخرج للمأزق الذي يعاني منه. بحيث يتحلل نتانياهو من الاتفاقات بشكل نهائي, مع التمسك بالاراضي الفلسطينية بوصفها ارض اسرائيل الكبرى والجزء الذي يخص اسرائيل من الاراضي المتنازع عليها كما تم اقراره من خلال اتفاقات اوسلو, واعتبار الخرق الذي يقدم عليه الفلسطينيون من خلال الاعلان هو التكريس للحل المؤقت كحل نهائي. ومحاصرة السلطة الفلسطينية في المواقع المحدودة التي تسيطر عليها وتنفيذ سياسة المعازل من خلال الحصار كحل نهائي اختاره الفلسطينيون والتعامل مع الخطة على قاعدة (دولة فلسطينية على ارض اقل) ولكن دون الاعتراف بها بل والعمل على ان تكون هذه الخطوة المساهم في انتاج شروط فلسطينية اسوأ من الشروط القائمة. من هنا قد تؤدي هذه الخطوة الى نتائج مناقضة تماما للنوايا والاهداف الفلسطينية, وهذا الخرق من قبل السلطة الفلسطينية لاتفاقات اوسلو التي تحكمها ولا تحكم الطرف الاسرائيلي, تتحول الى مخرج لسياسات نتانياهو. *كاتبة فلسطينية