مع اقتراب القرن الواحد والعشرين يواجه العالم العربي مشكلة كبيرة تتعلق بمصير التعليم الحكومي, اساسا في اعقاب استقلال الدول العربية وبداية دولة الرفاه وذلك انطلاقا من قاعدة تعليم الشعب بكل فئاته وقد انجز هذا التعليم مهمته الرئيسية, هذه المهمة هي تخريج اجيال متعاقبة من العاملين والموظفين والمتعلمين في شتى الميادين ولكن الدول العربية تواجه ازمة كبيرة في استمرارية التعليم الحكومي بالشكل الذي نعرفه, وذلك نظرا لدرجة التغير الكبيرة التي عصفت بالمناهج والوسائل التعليمية العالمية بطريقة جعلته اكثر كلفة واكثر دقة, وامام التضاعف المتزايد في القاعدة السكانية العربية, وامام الازمات الاقتصادية في الدول العربية بدأ التعليم الحكومي يواجه مأزقا كبيرا. ان الوضع الحالي للتعليم العام في الدول العربية يطرح قضية رئيسية: مخرجات التعليم الراهنة لم تعد هي نفس مخرجات التعليم السابقة, ومخرجات التعليم الحكومية تتحول مع الوقت وبنسبة اكبر فاكبر لمخرجات ضعيفة في مهاراتها اللغوية والتعبيرية والنقدية والعلمية, بمعنى اخر ان الصعود الذي شهدته فترة الخمسينات والسبعينات يقابله هبوط علمي في الثمانينات والتسعينات, والاسوأ ان المتضرر الحقيقي هي الفئات الشعبية العربية في كل مكان هذه الفئات لا تستطيع الهرب إلى المدارس الخاصة أو إلى المدارس الاجنبية المنتشرة في معظم الدول العربية, لهذا ومع الوقت بدأت تبرز في المجتمع العربي فئتان الأولى هي نتاج التعليم الخاص والتي تتميز بمعرفة اكبر في اللغات وتدرب على الاجهزة الحديثة وتعمق بالمناهج البحثية وطرق التفكير النقدية, اما الفئة الثانية فهي مخرجات التعليم الحكومي الناتجة عن مرحلة التراجع العلمي في هذا التعليم والتي تتهيأ للعمل في الوظائف الحكومية. ولكن القرن المقبل هو قرن تقليص الوظائف الحكومية اما المستقبل في البلاد العربية فهو للقطاع الخاص, وهذا يعني ان جيلا كاملا يجري اعداده اليوم في المدارس الحكومية العربية بطريقة لا تتناسب والواقع الجديد لهذا سوف يجد خريجو المدارس الخاصة بشكل عام وبنسبة كبيرة انهم اقدر على تلبية احتياجات القطاع الخاص, بينما سيجد خريجو القطاع الحكومي مزيدا من المصاعب والمتاعب في العمل الحكومي وبالتالي سيصدمون برواتب متدنية وبظروف صعبة وستكون عملية اعادة تأهيلهم للعمل في القطاع الخاص قضية اكثر صعوبة, هذا بالتحديد سوف يساهم في زيادة الفارق بين فئات المجتمع. وهناك بالطبع افكار كثيرة للتعامل مع هذا الوضع ويقع في اول السلم ذلك الوعي أولا بعدم مقدرة الدولة على حل الاشكال من خلال التعليم الحكومي, بل ان محاولات اصلاح التعليم الحكومي ستبقى فاشلة مهما كانت طبيعة المحاولات, بل قد تكون الدولة قادرة على تجميل الصورة بعض الشيء ولكنها سوف تفاقم المشكلة على المدى المتوسط والبعيد. ان الحل قد لايكون ممكنا إلا بأخذ الدولة لقرار بتشجيع المنافسة الخاصة, وهذا يعني فتح المجال للقطاع الخاص على أوسع نطاق وذلك ضمن قانون دقيق ينظم التعليم الخاص, ان العمل الخاص اقدر على اختصار المصاريف التي تصرفها الدولة وذلك لان الدولة لا تمتلك مستوى احتراف القطاع الخاص. ان زرع شجرة يكلف الدولة اضعاف ما يكلف القطاع الخاص وهذا ينطبق على فتح مدرسة وادارتها, القطاع الخاص لديه وسائل ادارة حديثة كما انه لا يكدس الموظفين ويستفيد من العاملين في صفوفه حتى الحد الأقصى, كما انه يخضع لقانون التنافس مما يفرض عليه ان يحسن من قدراته, اما القطاع الحكومي فمجال الفساد في صفوفه كبير ومجال تكديس الموظفين هائل كما ان الادارات التي تساعد العملية التعليمية تتحول الى عبء عليها. لقد آن الآوان للدول العربية بدء طريق طويل وشاق باتجاه الانسحاب التدريجي من التعليم العام وذلك لصالح البدء بتلزيم قطاعات من التعليم الحكومي للقطاع الخاص ولحماية المجتمع يجب تشجيع هذه العملية من خلال دفع الدولة لنصف تكلفة الطفل لكل اسرة لا تسجل ابناءها في التعليم الحكومي, ان دفع الدولة لنصف التكلفة لكل اسرة تقرر الانسحاب من التعليم الحكومي يوفر النصف الآخر لحساب الدولة, وهذا التوفير هو توفير في العدد والمساحة والاكتظاظ والانتفاخ والمصروف, ان هذا التوجه سوف يتحول مع الوقت الى وسيلة لتخفيف الضغط على الدولة مما يساهم في تخفيف ميزانية التعليم المضخمة, هذا الاسلوب سيساهم اساسا في دفع قطاع كبير من الطلبة ومن الفئات الشعبية في دخول المدارس الخاصة, وهو قد يعني تحولا في مخرجات التعليم وفي الفئات التي يصلها التعليم الخاص, ومع الوقت بامكان جميع فئات المجتمع ان تضع ابناءها في المدارس الخاصة وذلك من خلال دفعها لجزء من القسط السنوي مقابل دفع الدولة للجزء الآخر, في نهاية الطريق بامكان التعليم الخاص ومستوياته المختلفة ان يتفوق على التوجه العام نحو التراجع في التعليم الحكومي. ان التعليم الحكومي في مأزق, فاما ان يبقى في وضعه الراهن ويتحول باتجاه مزيد من الاكتظاظ والسوء, واما ان تبدأ عملية التغير نحو القطاع الخاص وبمشاركة الدولة في مصاريف التعليم الخاص, ان التعليم الخاص هو المستقبل, اما التعليم الحكومي فهو ما ورثناه من المرحلة السابقة الاشتراكية وهي مرحلة سوف يزداد الابتعاد عنها مع مرور الوقت. الخيارات في شقيها صعبة ولكن خيار القطاع الخاص بمساعدة الدولة يبقى الخيار الأفضل للتنمية والانسجام السكاني البعيد الأمد.