يعجبني في الحياة الأثرياء الواقعيون الذين لا يخدعون اخوانهم الفقراء بالقول ان المال ليس مصدر السعادة, وإنما بتأكيدهم كل مرة في أحاديثهم وحواراتهم ومجالسهم ان المال هو مصدر السعادة الأول, على خلاف غيرهم الذين يضعون المال في مرتبة متأخرة من سلم السعادة, ويقدمون عليه الحب مثلا أو الأولاد أو غير ذلك من عوامل . طبعا هناك من لا يزال يجادل مخدوعا بأن المال ليس مصدرا للسعادة, وهذا نتمناه لو يستطيع أن يشرب فنجان قهوة اليوم من دون مال, أو يقرأ جريدة يحبها أو ينتقل من مكان إلى آخر ولكن ليس على قدميه, أو يلبس ثوبا يقيه البرد أو يحصل على سندويتشة فلافل فيما لو كان مفلسا, ومع ذلك يكابر ويدعي ان المال ليس كل شيء. زمان كان يمكن أن يكون كلام مثل هؤلاء الحالمين الذين يصدقون الشعراء صحيحا, فقبل سنوات طويلة, كان يمكن أن تشرب الماء وتطفئ العطش من بئر أو نبع أو سبيل, أو تدق الباب على أحدهم لتسأله خبزا وعشاء, أما اليوم فلا ماء من دون نقود, أما إذا دققت الباب ولم تكن شحاذا فمصيرك الضرب, فمن أين إذن تحقق متطلبات السعادة من شرب ومأكل وملبس وتنقل وغير ذلك من دون مال؟ وهكذا فكلما كان المال أكثر كلما كانت السعادة أكثر, ولن نستمع للحالمين الذين يرون خلاف ذلك, أو الأثرياء غير الواقعيين الذين يخدعون الفقراء بأحلام السعادة من دون مال, ذلك لأن زيادة المال تضمن استمرار تحقيق المتطلبات المعيشية والحياتية والفكرية والنفسية وغيرها, وأي نقص في هذه يسبب بالضرورة قدرا من التعاسة, في عالم اليوم, الذي لا يعترف إلا بالمال أولا. وعليه فراتب الموظف مثلا الذي كان يفي قبل سنوات بفواتير الكهرباء والماء والهاتف وقسط السيارة والمعيشة الشهرية وغيرها من نفقات, لن يعود كذلك اليوم, إذا لم يرتفع سنويا بما يعادل ما يحدث من تضخم وغلاء وارتفاع في قيمة الأشياء من حوله, فكيف يمكن لهذا أن يكون سعيدا؟ غير ان السؤال هو: كم من المال يحتاج أحدنا لكي يكون سعيدا, أو في الحد الأدنى من السعادة؟ الاجابة حسب دراسة أمريكية استمرت 15 عاما حول علاقة المال والسعادة توصلت إلى أن دخلا سنويا يتكون من ستة أصفار يكفي لأسرة لكي تنعم بالسعادة, التي تحققها ألوان من الترف كالسيارة الفخمة والرحلات والسفريات والهوايات, وهو ما نعتقد انه نتيجة تسري على أمريكا وتسري على مناطق مختلفة من العالم, منها منطقتنا, نسبة لارتفاع مستوى الدخل وما يواكبه من ارتفاع في الأسعار والخدمات والتضخم. وبما ان غالبية القراء يؤيدون هذه النتيجة ويتمنون دخلا من ستة أصفار يضمن لهم الحد الأدنى من السعادة, قانعين بذلك, بالمقارنة مع غيرهم من ذوي الدخول ذات السبعة أصفار وما فوق, فإن هؤلاء من الذين تنطبق عليهم صحة ان المال هو السبب الرئيسي للسعادة, لا الحب مثلا, فالحب من غير مال لا يورث سوى الجوع, وإذا كان هناك من يخالفنا الرأي اليوم من القراء, ويعتقد ان بامكانه أن يعيش سعيدا من دون مال وكثير أيضا, فهذا هو الفقير, الذي يراه المال فيفضل الهروب منه, لعدم الصلاحية.