ليس هناك أمة على وجه الأرض كالأمة العربية, يزدحم واقعها بالأسئلة المقلقة والمُفَجِرَة للدماغ أحيانا, ولطاقات الصبر والاحتمال أحيانا أخرى. وليس كهذه الأمة التي تملك كل هذا الرصيد الذي لقنونا على مقاعد الدراسة وفي حصص التاريخ انها تمتلكه, ثم تعجز بعد ذلك , وتراوغ في الوصول أو الحصول على الإجابات الضرورية لتهدئة كل هذا القلق الصارخ في كل القلوب والأعين. ولا ندري ماذا نقول, ولكننا نضطر أحيانا للاعتراف بتعاسة الواقع ورداءته برغم مسؤوليتنا المطلقة عن هذه الرداءة, لكننا لُقِّنا طريقة جيدة للهروب من مأزق المسؤولية الجماعية وذلك بالبحث عن أسباب بعيدة نلقي عليها عباءات المسؤولية بضمير بارد, لنقول بعدها: (مسكين هذا العربي المبتلى بسكنى هذه الرقعة العربية المعجونة بتاريخ لا متناهٍ من الأسرار والمعجزات والمؤامرات والتحديات) نقول ذلك ولا ندري من المسكين بالضبط, وهل هناك داعٍ من الأساس لوجود مساكين يبررون حالة الذهاب للخلف, هذه التي نعيشها منذ قرون؟ وان يكون لديك القدرة على طرح أسئلة بحجم الوجود وثقل التحدي, فهذا أول الطريق لتلمس نسغ البدايات البعيدة, وإن يزدحم الواقع بأسئلة كهذه فلا معنى لذلك إلا الوقوع في إحدى حالتين لا ثالث لهما! فإما الوقوف الأبدي في مواجهة المزيد والمزيد من التحديات, وإملاءات الاجتثاث والتبعية ونسف الجذور, وإما الولوج المدهش نحو المزيد من مساحات الحرية حيث تنثال الأسئلة متقافزة بعنفوان الرغبة صوب ضفاف الحقيقة, تماما كما تقافزت قلوب كثيرة في التاريخ صنعت ملاحم وحكايات ورموزاً وأفكاراً ما كان لها ان تتكون لولا تلك الأسئلة المقلقة. وبما أننا ابناء امة واحدة (هكذا قال لنا المعلمون في المدرسة) وبما أننا نسكن القرية نفسها (باعتبار ان العالم كله صار قرية صغيرة) فنحن أعلم بطرقات قريتنا (المتخلفة كما يهذون في كل المحافل), وأعلم كذلك بعدد القناديل المضيئة في هذه الطرقات وتلك التي تهشمت منذ عهود المماليك وملوك الطوائف ولم تستبدل حتى الآن! وعلى ذلك فان عالمنا العربي أو أمتنا (الواحدة) واقعة في عمق حالة التحدي وبجدارة لا تخفى على أحد, كما انها متلبسة في نقيض حالة الحرية المطلوبة, مما يجعل الاسئلة تتوالد كغابة استوائية, وتتحول الى سجن كبير بحجم الوطن يسكننا ونسكنه حتى نهاية الابدية على ما يبدو. ومنذ عهود طويلة وهذا السجن يسكن قلوب اصحاب الوعي ويقتاتها بلا هوادة, ولا مخرج منه الا بحبل المشنقة أو مجداف الهجرة أو الهروب نحو العزلة, أو خيار الجنون, او التصالح مع واقع العبث بالاكراه وضغوط الحاجة, وكل هذه المخارج لا تقود الى نتيجة ولا تقدم للأمة شيئا, بقدر ما تسحب من رصيد وقودها اللازم لصناعة الحاضر والمستقبل والامتنان للامس باعتباره البداية لا وصمة العار التي يسارع الجميع الى اعلان البراءة منها وعلى رؤوس الأشهاد. من هنا يأتي إعلان أحد الروائيين العرب (سمير ندا) متوافقا مع واقع مليء بالاسئلة محاصر بأجهزة الرقابة التي تحصي الحروف والكلمات على الكتاب, ما يجعله يتعامل بذكاء مطلوب نحتاجه جميعا, سمير ندا يقول: (توسلت بالسيرة الهلالية لأدين الخصومات العربية الراهنة) ربما تكون هذه طريقة جيدة للاجابة على بعض الاسئلة التي تملأ الفضاء الراهن, وربما تكمن كل اجاباتنا في الفضاء الذي كان.. في التاريخ!