من باب العمل بسنة دارجة, وضع كثير من المراقبين موقف فرنسا من تطورات الأزمة العراقية الأخيرة في ديسمبر الفائت, جنباً الى جنب مع موقفي الصين وروسيا . غير أن متابعة مدققة لحيثيات السياسة الفرنسية من العدوان الأمريكي البريطاني الثنائي الذي يمثل جوهر هذه الأزمة, يبرز خروجاً فرنسياً عن تلك السنة, بما يبرر التعامل معه على انفراد. ولأن فرنسا عضو بمجلس الأمن الدولي, فضلاً عن مكانتها القيادية في الاتحاد الاوروبي ودورها المميز في القضايا الدولية ومنها القضية العراقية, فان تحري مستوى التغير والاستمرارية في مواقف باريس, ينطوي على حكمة لصانعي القرار العرب, لاسيما المعنيين بالشأن العراقي. المتأمل لتفاصيل السياسة الفرنسية العراقية في طورها الأخير يلاحظ ان باريس راحت تنحو الى التقارب مع مواقف واشنطن, وهي بذلك تعكس تغيراً أميل الى السلبية تجاه بغداد. لقد بدأت مؤشرات هذا التغير في سياق يوميات العدوان الثنائي, ثم تجلت في غمرة التفاعلات والمشاورات الاقليمية والدولية اللاحقة, والمستمرة بلا انقطاع. فعندما بدأ الهجوم المزدوج, أعلنت باريس أنه لا علم لها بنوايا واشنطن ولندن حتى نصف ساعة قبيل الضربة الأولى ولكن أحداً لم يلاحظ غضباً فرنسياً من هذا الاشعار المتأخر, ولا من تجاهل مشاورة باريس من شريكيها في الاطلسي ومجلس الأمن. بل ولم تظهر باريس ما يعبر عن عدم الرضا بشكل معقول ومسموع من انفراد بريطانيا بقرار الاستتباع العسكري لواشنطن كما حدث في مرات سابقة. مع ان لندن وقعت في مطلع ديسمبر 1998 (قبل أسبوعين فقط من العدوان الثنائي) مع باريس وثيقة للتعاون العسكري المشترك في عمليات خارج اراضيهما ودول الاطلسي. وبينما كان العالم كله الا قليلا يلقى باللائمة على واشنطن ولندن, ويوبخهما كمعتديتين, بلا زاد من الشرعية الدولية ولا مبرر حقيقي من تهديدات العراق المزعومة.., راحت باريس تتحدث عن ادانة لمواقف (صدام حسين) , وتعبر عن (الأسف) فقط وعلى استحياء من عدم اجراء تشاورات حول الأزمة في مجلس الأمن. أين هذا الموقف من رد الفعل الروسي العاصف تجاه السلوك الامريكي البريطاني نفسه, الذي وصل مستوى سحب السفراء, والشجب المباشر والاستنفار السياسي وتسريب اخبار عن تأهب عسكري (ثم نفى ذلك بشكل معروف في حالات التلويح)؟. في مرحلة تالية لوقف الهجمات الجوية والصاروخية. زاد وضوح الفرق بين المواقف الروسية الصينية من جهة والفرنسية من جهة أخرى, عبر مؤشرات أخرى. فمقابل الحديث المهموس عن امكانيات أو احتمالات بناء سلسلة من التحالفات (الآسيوية) الروسية الهندية الصينية, لمواجهة تداعيات الاستفراد الامريكي بقمة النظام الدولي. ومقابل الوقفة الروسية والصينية مع الذات لتدارس ماذا بعد الجموح الامريكي خارج سياق الشرعية الدولية والاعتداء على حرمة الأمم المتحدة. ومقابل نشر صواريخ روسية عابرة للقارات والتهديد بعدم التوقيع على سالت 2 (معاهدة الحد من التسلح مع الولايات المتحدة..), مقابل ذلك كله, من تعبيرات التحفز الروسي والصيني, علمنا ان فرنسا كانت على تواصل منذ عدة اشهر مع واشنطن, بخصوص وضع العراق تحت رقابة مالية وعسكرية طويلة الأجل, حتى في حال تم رفع الحصار عنه. وبينما كانت اللعنات تنصب خفية وجهرة من موسكو وبكين وعواصم أخرى وخلق كثيرين على رأس لجنة التفتيش الدولية اونسكوم ورئيسها بتلر بالذات, راحت باريس تدعو الى اعادة النظر في نظام اونسكوم.. (مغازلة) بذلك الموقف الامريكي, الذي ينادي بتجديد عمل اللجنة, وكأنك يا كلينتون ما اعتديت!. أكثر من ذلك, أعلن وزير الخارجية الفرنسي (هوبيرفيدرين) ان (لدى باريس وواشنطن اهدافاً مشتركة تقضي باقامة نظام رقابة مستمرة على التسلح والعائدات النفطية في العراق..) , وفي هذا تأكيد للزعم بوجود تنسيق امريكي فرنسي قبل الضربة الأخيرة. صحيح ان هذا التنسيق لم يبلغ نظيره الأمريكي البريطاني, الا انه يكفي لنفي التساوي بين الموقف الفرنسي والسياستين الروسية والصينية طبقا للخطأ الشائع. ويبدو ان اكتواء العراقيين بنيران الأزمة جعلتهم اكثر حساسية وتفهماً لما يجري من حولهم, فالرسميون العراقيون وصفوا السياسة الفرنسية في محنة ديسمبر بالانتهازية وبالصمت الممتد وقت العدوان. ويدرك هؤلاء الان, كيف اضحت باريس في حال يفصح عن مكنوناتها ازاء العراق. فالمشروع الفرنسي امام مجلس الأمن. بخصوص ما بعد الأزمة, لم يتضمن أية ادانة للعدوان الثنائي الأخير, ولا ينص على ضرورة عدم تكراره, كما هو حال المشروعات الروسية او الصينية. ترى هل نبالغ ان وصفنا السياسة الفرنسية العراقية وغير العراقية بالنفس القصير. فرنسا تحرد من واشنطن وتتمرد عليها.. ولكن ضمن حدود. والظاهر ان واشنطن تعلم يقينا حدود الرفض الفرنسي دوماً. اما بريطانيا, فقد نجحت فيما يبدو في جر باريس الى حوزتها الانجلوساكسونية, بعد ابرام وثيقة التعاون العسكري المشار اليها اعلاه, ومن تجليات ذلك عدم غلو باريس في نقد لندن لاستتباعها واشنطن تماما في الأزمة الأخيرة, وصمت باريس على اثارة حمية الشركاء الاوروبيين ضد السلوك البريطاني. ثم هل يعقل ان يجري تنسيق امريكي فرنسي سابق او لاحق على العدوان الاخير, لا تعلم لندن عنه شيئاً, وهي من هي في خطوتها ومكانتها لدى واشنطن؟. والحال كذلك, ربما أصبحنا بصدد سياسة فرنسية جديدة, تبدي باريس وفقا لها تحفظاً اكبر في انحرافها عن الفريق الأنجلوساكسوني وميلها الى التميز في مواقفها العربية والمتوسطية والأوروبية. غير أن التأكد من تحول هذا الجديد الى اتجاه مستمر, يقتضي متابعة للمواقف الفرنسية بشكل مفصل في المرحلة المقبلة. فان حدث ما يحول هذا الزعم الى قناعة, فسوف يتأكد خسران العرب لطرف دولي فاعل طالما صنف كمساند لقضاياهم. وفي حالة كهذه, لا يلومن هؤلاء إلا انفسهم, على اعتبار أنهم يرجون من الآخرين ما لم يقدموه هم لهذه القضايا. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة