مرة سألني احد الاشخاص لماذا لا يكون في مجتمعاتنا العربية مفكرون ومخترعون ومثقفون بارزون ومبدعون في مختلف المجالات, كما نشاهد ذلك في المجتمعات المتقدمة ! فكان جوابي ان مشكلتنا الحقيقية تكمن في نوعية البيئة التي يمكن ان ينشأ فيها هؤلاء. هل شاهدت مرة وردا او نبتا اخضر ينمو في الصحراء؟ قال لا, ولكن ما علاقتنا نحن بالورد والزرع؟ قلت له ان العملية هي نفسها تتكرر على الارض فانبات الزرع او الورد, يشبه خلق المفكرين والمخترعين. ان البيئة قد تلعب دورا حاسما في تشجيع المبدعين واصحاب الافكار والنظريات والمشاريع غير التقليدية, كما قد تؤدي الى تدميرهم وتحطيمهم والحيلولة دون بروزهم. وكي لا يذهب تفكيرك بعيدا او تأخذك الظنون ماخذها, اقصد بالبيئة هنا بيئة العمل او بيئة الدراسة او بيئة الحياة. فكيف يمكن لطالب ان يبدع مثلا في حين ان معلمه ينظر اليه بحسد ويخشى ان تركه يتفوق ويتقدم ان يحتل في المستقبل مكانه, او تسلط عليه الاضواء بينما هو قد عاش طوال حياته في الظل؟ وكيف يمكن لموظف ان يبدع في حين ان من هم اعلى منه يخشون على مصالحهم وامتيازاتهم ان هو برز او تفوق! ان الكل يخاف من الكل. وما ان يتميز احد او يبرز او تبدو عليه علائم الابداع حتى يجتمع عليه الباقون ليقمعونه او يهمشونه او يحجمونه الى آخره. انهم يخافون ان يسلب منهم الكرسي الذي يجسلون عليه. ولان الكفاءة ليست هي المعيار في اختيار الناس او الاشخاص لتسلم المراكز والمناصب في مجتمعاتنا العربية, لذلك لايمكن ان يسمح هؤلاء بتغيير المعادلة, فمن مصلحتهم الابقاء على الامور كما هي. وهذه المصلحة تقتضي ان لايبرز احد غيرهم او يتحول الاهتمام عنهم او تتركز الاضواء على من يعملون تحت امرتهم. في حين كانت الكفاءة هي المعيار لتغير الحال تماما. لان الكفء لا يخشى من المنافسة, لا يخشى من ظهور الف كفء بجانبه. على العكس يسعده ذلك ويفرحه, لانه يعني نجاحا للمهنة ونجاحا للمؤسسة ونجاحا للبلد نفسه. وهذا هو ما يحدث بالنسبة للمجتمعات المتقدمة والمتطورة. انهم يخلقون مفكرين ومخترعين ومبرزين, لانهم حرصوا منذ البداية على تنقية بيئة العمل وبيئة الدراسة وبيئة الحياة. اخرجوا منها الشوائب والاعشاب الضارة, وحرثوها جيدا ثم زرعوا فيها ما يريدون ان يزرعوا. فانبتت لهم فلسفة وفكرا وتكنولوجيا وعلوما .. الخ. احيانا كثيرة افكر كيف يمكن للناس ان يدللوا على حبهم لاوطانهم؟ ان اهم شيء, وقبل كل شيء هو الحرص والمسؤولية على مصلحة الوطن من خلال انجاح الاعمال بصورة حقيقية وفتح الطريق امام الكفاءات والمواهب كي تبدع وتنجح وتقدم عطاءها المتميز للمجتمع. ومن ثم فان اولئك الذي يقمعون الابداع والمبدعين, لايمكن ان يحبوا اوطانهم او يخلصوا لها, قدر اخلاصهم لمصالحهم الشخصية والخاصة. الاخطر من هذا انهم في سبيل الحفاظ على امتيازاتهم لايتورعون عن تزييف كل شيء. فهم يزيفون النجاح (وهو فشل) ويخترعون من الخيبة تميزا ومن التأخر تجددا, ويصورون الضحالة على انها ثقافة, والتهريج والاسفاف مهرجانات ثقافية وابداعية, وانعدام الموهبة الى الغباء قدرات فذة ومواهب لامعة الخ. وهكذا يصبح التزييف شاملا وجزءا من القوت اليومي. وهم لايعبؤون بما اذا كان الباقون يضحكون عليهم او يتندرون من افعالهم او يصفقون لهم, لايهم كل ذلك مادام انهم باقون في اماكنهم ويكسبون بسبب ذلك اقواتهم الوفيرة, فليحترق كل شيء. وبعد فان المبدعين موجودون دون شك, لكنك لايمكن ان تراهم الا اذا بحثت عنهم او نظرت اليهم بالمجهر! فماذا يفعل الابداع في مثل هذه البيئة , انه محكوم عليه بالتسول والموت جوعا وكمدا. كاتب بحريني