لم يعد الاعتراف بالخطأ من جانب الولايات المتحدة الامريكية في سياساتها الخارجية مدهشا للمراقبين السياسيين, خاصة بعد ان تكرر هذا الاعتراف مرات ومرات , لم يكن اولها من جانب وزير الدفاع السابق (روبرت مكنمارا) صاحب مذابح فيتنام, او وزير الخارجية السابق ايضا (هنري كسينجر) مهندس الانقلاب الدموي الذي اطاح بالرئيس التشيلي المنتخب السلفادور الليندي, ليضع على قمة السلطة سفاحا دمويا مدربا (الجنرال اوغوستو بينوشيه) , الذي ينتظر محاكمته في لندن عن الجرائم التي ارتكبها في حق شعب بلاده تحت ادارة المخابرات الامريكية, ثم كان الاعتراف بالخطأ نفسه على لسان (مادلين اولبرايت) التي تتحمل اليوم ارثا كبيرا من الاخطاء السياسية الفادحة في معالجة القضايا الدولية. لكن الاعتراف بالخطأ من جانب الولايات المتحدة ليس دائما (فضيلة) لان الاعتراف يأتي دائما متأخرا, ولا يصلح ما افسدته تلك الاخطاء, بل الافدح ان الاعتراف عادة يتم بشكل متعال, وكأن الامر بسيط للغاية, او مجرد خطأ صغير لا يؤثر, ولا يستحق حتى مجرد طلب العفو, او المساعدة على اصلاح ما افسدته تلك الاخطاء التي حولت مجرى التاريخ في حياة العديد من الشعوب. لذلك لم يكن مدهشا ان يعلن الرئيس الامريكي (بيل كلينتون) الاجراءات الاخيرة التي تم اتخاذها تجاه الثورة الكوبية, على الرغم من ان الوضع في الجزيرة المحاصرة لم يتغير كثيرا عما كان قبل ان تبدأ الولايات المتحدة حصارها لها قبل سبعة وثلاثين عاما, بعد ان فشلت عملية الغزو الشهيرة باسم (عملية خليج الخنازير) , التي لطخ عارها وجه الولايات المتحدة, تماما كما لطخ وجهها من قبل عار المذابح التي ارتكبتها القوات الامريكية في فيتنام ولاوس, وكل مناطق التدخل التي مارست خلالها ابشع ما يمكن ان يتصوره عقل من جيش يمثل دولة تعتبر القوة العظمى في العالم الآن, وليس غريبا ان نسمع في وقت قريب الاعتراف بخطأ العمليات العسكرية في منطقة الخليج, لكن بعد فوات الاوان, لان تلك الاخطاء تترك تراكمات وتراكمات وتولد ضغوطا قد تنفجر فجأة دون سابق انذار, عندها لا يصلح الاعتراف ما افسده الخطأ. الوضع في كوبا كان ولايزال على حاله منذ دخول فيدل كاسترو والتشي جيفارا الى العاصمة هافانا قبل اربعين سنة, كاسترو لايزال هناك يباهي بطلعته, ويطلق الشعارات التي لاتكاد تتغير من احتفال بالنصر الى احتفال آخر, واذا كان جيفارا قد رحل بعد موته غيلة على ايدي رجال المخابرات المركزية الامريكية في ابشع عملية تقوم بها تلك المخابرات ضد فرد, فإن ذكراه لاتزال تقلق الولايات المتحدة اكثر من اي وقت سابق, اغتيال هذا المقاتل حوله الى اسطورة, وغيابه تحول الى حضور دائم, واكتشاف جثته وعملية دفنه العام الماضي أحيت من جديد اسطورته حتى جعلت من قتلوه يندمون على تلك العملية. الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة ضد كوبا, بعد فشل عملية الغزو باغراق كرامة الولايات المتحدة في خليج الخنازير, فشل في جميع جوانبه السلبية التي كان يهدف اليها, وهي اسقاط كاسترو والقضاء على الثورة الكوبية, ولكن هذا الحصار الاقتصادي الرهيب نجح في الابقاء على جذوة الوطنية الكوبية بين سكان تلك الجزيرة, مما ساعد على بقاء فيدل كاسترو في السلطة كل هذه السنوات. بل كان هذا الحصار سببا في التعاطف الخارجي الذي كانت تتلقاه كوبا ولاتزال, وساعدها على تحقيق انجازات في مجالات التعليم والصحة, مما مد نفوذها الى امريكا اللاتينية جميعها التي عاشت منذ الثورة املا في التحرير, وغيرت الكثير من انظمة الحكم في تلك القارة التعسة بجوارها للولايات المتحدة الامريكية. كانت كوبا تحت الحصار بحجمها الصغير في مواجهة الولايات المتحدة نموذجا يحتذى للعديد من شعوب العالم المناضلة, التي كانت ترى انه يمكنها ايضا ان تحصل على ما تريد اذا قررت النضال. الاجراءات الامريكية الاخيرة بتخفيف الحصار الاقتصادي والسماح برحلات طيران وبريد مباشر, وتحويلات مالية مباشرة بالدولار من الولايات المتحدة الى كوبا, او تبادل الزيارات الفنية والرياضية, لم تكن سوى طريقة للاعتراف مجددا بفشل السياسة الخارجية الامريكية في مناطق تعتبر من اكثر مناطق النفوذ الامريكي حساسية. لكن حدوث هذا التغير في موقف الولايات المتحدة تجاه نظام فيدل كاسترو لم يكن وليد اللحظة, بل كان متوقعا منذ فترة طويلة, وتنبأ به العديد من المحللين السياسيين الذين يعرفون الاسس التي تقوم عليها هذه السياسة, هذا التغير تنبأ به الخبراء بعد موت المليونير الكوبي السابق (ماس كانوسا) المفاجىء عام 1997, لانه بموته فقدت المعارضة الكوبية في فلوريدا زعيمها الذي كان مندفعا في معارضته لنظام فيدل كاسترو على امل ان يحتل مكانه اذا استطاع اسقاطه والقضاء على نظامه وبموته لم يجد المعارضون من يحمسهم في عملهم ضد بلادهم, لان من تبقى في تلك المعارضة يفعل ذلك بحثا عن دور يسمح له بالبقاء في الواجهة, لكن الحقيقة انهم جميعا يعرفون ان احتلالهم لمناصب في اي نظام جديد في كوبا غير محتمل, ويفضلون الحصول على الجنسية الامريكية عن العودة الى كوبا, حتى لو كانت هذه العودة ظافرة. من ناحية اخرى كانت اموال (كانوسا) مصدرا دائما لتمويل خزائن الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة, وخزائنه لم تكن تبخل على اي عضو بالكونجرس او مجلس الشيوخ, ولا حتى على ساكني البيت الابيض, فقد كان يمول مرشح الحزب الجمهوري في الوقت الذي كان يمول فيه مرشح الحزب الديمقراطي, على امل ان يساعده اي منهما لاحتلال مقعد السلطة في كوبا. سياسة الولايات المتحدة تجاه كوبا لم تكن مجانية, بل كانت تتلاعب بها المصالح الخاصة لبعض اعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ, وايضا الرؤساء, وعمليات التبديل فيها كانت تتم تحت ضغوط الواقع الذي يفرض على اي مسؤول التعامل بهذه الطريقة او تلك, وتغيير طريقة التعامل مع القضية الكوبية لن يؤثر في الوضع في كوبا, لانه جاء متأخرا كالعادة, ولا يتوقع الخبراء ان يكون هذا الانفتاح الامريكي على كوبا سببا في تغيير نظام فيدل كاسترو, الذي اعلن قبل ايام قليلة عن استمرار الثورة الكوبية في عيدها الاربعين, بل قرر ان يكون الاستمرار (ثورة على الثورة) , وكرر مرات عدة شعاره المعروف: (الثورة او الموت) . كاتب مصري مقيم في اسبانيا