ربما لاحظ القارئ أن مجلس النواب الأمريكي, وهذه المرة مجلس الشيوخ, قد اختار كل منهما الجمعة وعطلة نهاية الأسبوع في الولايات المتحدة , موعدا لمحاكمة كلينتون, فيثير لديه مثل هذا الاختيار التساؤلات, على الرغم من ان الامريكيين يقدسون عطلة نهاية الأسبوع, ولا يفضلون العمل فيها ولا حتى متابعة الأحداث الجادة, مقابل انصرافهم الى اللهو والاسترخاء وممارسة الهوايات. غير ان النواب الأمريكيين والشيوخ معا, اختاروا العطلة الأسبوعية موعدا لمحاكمة رئيس البلاد, ليقدموا للشعب الذي يمثلونه خير تسلية ممكنة من خلال شاشات التلفزيون, خاصة ان التفاصيل والحيثيات ممتعة لأنها تتعلق بعلاقات الرئيس الحميمة, والجو في الخارج بارد وصقيع, فلا يكون أمامهم سوى الجلوس في بيوتهم ليتدفأوا بحطب المواقد من ناحية وبالعبارات والكلمات الساخنة والحارة للنواب والشيوخ من ناحية أخرى. وهكذا فالمتوقع أن يحتج أصحاب دور السينما ورجال الأعمال في صناعة الترفيه بأنواعها, على مثل هذا الاختيار الذي من المرجح أن يخرب لهم بيوتهم, حين تنخفض إيرادات صناعتهم خلال عطلة الأسبوع الى معدلات متدنية, مقابل ارتفاع نسبة المشاهدة, وبالتالي عوائد التلفزيونات من الاعلانات, في أمريكا والعالم معاً. وبما ان بيل كلينتون يواجه ابتداء من اليوم وللمرة الثانية محاكمة الكونجرس, متمثلة هذه المرة في مجلس الشيوخ, بعد ان ادانه النواب على بندين من التهم الأربع, هما الكذب تحت القسم وعرقلة عمل العدالة, فإنه يكون الرئيس الأمريكي الذي تعرض للمرمطة وبشكل علني أكثر مما يجب وينبغي, خاصة مع إصراره على البقاء في البيت الأبيض وعدم الاستقالة, وبما يفوق ما تعرض له غيره من الرؤساء بمن فيهم أندرو جونسون الذي نجا من العزل بفارق صوت عام 1868. ومع أن هناك إجماعا من المراقبين على أن فرص نجاة كلينتون أكبر من فرص عزله, حيث يتكون المجلس من 55 جمهوريا و45 ديمقراطيا, فيما المطلوب لقرار العزل ثلثا الأصوات, أي 67 صوتا, فإن المفاجآت تبقى واردة, مثل أن ينقلب ديمقراطيون على الرئيس وينضمون الى الخصوم, أو يبادر كلينتون نفسه ويعلن اعتزاله, مع أن مثل هذه الاحتمالات ضعيفة الى مستبعدة. ويبقى أن ينقذ كلينتون ما أنقذ أندرو جونسون من قبضة مجلس الشيوخ, والذي كان متهما بانتهاك الدستور وتحريض جنرال في الجيش على ذلك, حيث نجح بتوفير غالبية الثلثين لرد قرار عزله بعد إحضار سيناتور عجوز مصاب بالذبحة القلبية من بيته للإدلاء بصوته, فصوت ضد قرار العزل, ليفلت جونسون بفارق هذا الصوت, الذي جاءه من على فراش الموت. غير ان كلينتون لا يحتاج الى مثل هذا السيناتور, حتى وهو يتشابه مع أندرو جونسون في البداية, فالأول بدأ رئاسته بفضائح جنسية ومخدرات وهروب من خدمة الجيش, والثاني بدأ رئاسته بفضيحة إلقاء خطاب القسم وهو مخمور على ما تذكر سيرته التاريخية, ذلك لأن توفر أصوات الثلثين صعب لإقرار العزل, فيبقى أن يتشابه مع أندرو جونسون في النهاية ايضا, حين يحمل الى الكونجرس شيخ من شيوخه على فراش الموت ليشهد ان كلينتون غير مذنب, فنعرف ان الامريكان يحبون مثل هؤلاء الرؤساء الذين كلما زادت فضائحهم ارتفعت شعبيتهم, من جونسون إلى كلينتون.