تطل علينا الالفية الثالثة بعد عام تقريبا, وهذه لحظة تاريخية تعني التقدم المادي والتقني والسعي نحو رفع نوعية الحياة ليزيد ذلك من انسانية الانسان. ولكننا في نفس الوقت نجد الوطن العربي في حالة بيات شتوي وكأنه لا يشعر بحركة الزمن والتغيير والتحول . ولا يفكر العرب في المستقبل, فهم لا يريدون ان يشغلوا اذهانهم بأكثر من يومهم الماثل والمعاش, وحتى هذا الحاضر يتركونه للصدفة وردود الفعل, فقد أصبح العرب غير فاعلين ولا مؤثرين رغم القوة الاقتصادية التي كانت, فالمستقبل ليس من شواغل العرب وتبدو كلمة مستقبل شديدة الغموض في قاموس السياسة العربية لانها ببساطة تعني وضوح الرؤية والنظرة العلمية بعيدة المدى. تبادر الى ذهني مشروع طموح لفهم الحاضر العربي واستشراف المستقبل تبناه مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت, ونشر التقرير النهائي لمشروع استشراف مستقبل الوطن العربي عام 1988. ولقد مضى الآن عقد كامل من الزمن وهي فترة تمثل جزءا من المستقبل, علما بأن فريق العمل بدأ عام 1983 في مهمته. وبعد رصد منهجي دقيق لتطورات الماضي واشكال الحاضر, توصل التقرير الى ثلاثة مشاهد (سيناريوهات) ممكنة او محتملة حسب الطريق الذي سوف تنتهجه الأمة العربية وهي: 1 ـ مشهد التجزئة الذي وصف بمحدودية الافاق واحتمالات التفتت. 2 ـ مشهد التنسيق والتعاون: مصاعب الصمود وسط المعطيات العالمية. 3 ـ مشهد الوحدة العربية: ارادة التحول وعالم الكيانات الكبيرة. ويتساءل المرء الآن اي هذه المشاهد تعيشها الأمة العربية الآن؟ بالتأكيد, ان المشهد الاقرب الى الواقع هو المشهد الأول: التجزئة, ورغم انه ـ كما يقول التقرير ـ اسوأ ما يمكن ان تؤول اليه احوال الوطن العربي, ولكن الحقيقة المرة هي ان هذا المشهد السيء يسود الوطن العربي والذي يعيش مرحلة ضعف وتفكك لم يعرفها في تاريخه المعاصر.. فالتسعينات شهدت أول حرب واحتلال تقوم به دولة عربية (العراق) ضد دولة عربية جارة (الكويت) وهذا درك سحيق لم تبلغه ابدا العلاقات العربية ـ العربية حتى في الستينات التي عرفت حربا باردة بين الانظمة الوطنية والانظمة المحافظة وتدخلات عسكرية (حرب اليمن) لذلك يمكن اعتبار حرب الخليج الثانية قد مثلت شرخا واضحا في النظام الاقليمي العربي يصعب رتقه, خاصة وقد تزامن مع مشكلات اقتصادية ومواجهات سياسية وصعود لحركات اصولية مع بروز شكاوى المجموعات غير العربية داخل بعض الاقطار. يواجه النظام العربي خطرا خارجيا مزمنا هو الوجود الصهيوني والذي يواصل تهديد العرب باستمرار رغم معاهدات السلام ومحاولات التطبيع, اذ يظل المضمون التوسعي المرتبط بالاستعمار الحديث مكونا اساسيا في الايديولوجيا الصهيونية, هذا الواقع يستوجب اليقظة والاستعداد ولكن الانقسام الذي بدأ مع اتفاقيات كامب ديفيد هو الذي يحكم العلاقات العربية ـ العربية ولم يستطع العرب تجاوز ذلك التحول, ثم جاءت اتفاقيات اوسلو لتكمل الاستقطاب بين الفلسطينيين ثم بقية العرب, وقد ساهمت هذه التطورات في العلاقة مع الكيان الصهيوني وفي نقل الصراع الى المعسكر العربي ونجحت الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني في جعل الصراع عربيا ـ عربيا. ومن المفارقة, انه اصبحت اي محاولة لجمع الصف ومواجهة (اسرائيل) تنتهي باتساع الفرقة والتباعد بين العرب, واخيرا, استفردت (اسرائيل) بالفلسطينيين وجنوب لبنان, وتوقف العرب حتى من الادانات اللفظية والشجب الذي كانت تصدره جامعة الدول العربية. من المعروف ان العوامل الخارجية لا تحقق اهدافها الا اذا كانت الاستجابة الذاتية (الداخلية) عاجزة عن مواجهة التحديات التي تتعرض لها أمة او مجموعة ما, وهذا يعني ان العوامل الذاتية هي التي تحدد وتصنع التاريخ والاحداث و ليس العوامل الخارجية. كان المفكر الجزائري مالك بن نبي يقول بأن المشكلة ليست في الاستعمار ولكن في القابلية للاستعمار. وفي الحالة العربية فقد ساعدت حالة العنف والتردي في نجاح المخططات الخارجية. فهناك حديث يدور الآن حول النظام الشرق اوسطي والذي يعني بالضرورة تهميش واضعاف النظام العربي. يمكن القول بأن النظام العربي المستقبلي لابد ان ينطلق من تغيير الداخل اي واقع الدول والمجتمعات العربية ثم يمكن لها بعد ذلك ان تنسق وتتكامل وتتحد. فالشرط الاول لقيام نظام عربي مستقبلي جديد هو تعميم الديمقراطية بمعناها الشامل والذي يعني التعددية السياسية والتعددية الثقافية واحترام حقوق الانسان والمشاركة في السلطة والثروة. فالنظام الاقليمي العربي لن تخلقه لاجتماعات حتى لو كانت على اعلى مستوى, ولكن نتيجة ارادة شعبية واعية للمخاطر والتحديات وللمصالح ايضا التي يمكن ان تحققها الوحدة او التكامل عرف تاريخ الدعوة لنظام عربي او للوحدة العربية تعارضا مفتعلا في الاولويات وكان هذا التعارض يسىء الظن في تقديم الديمقراطية كأولوية وكثيرا ما ووجهت الدعوة الى الديمقراطية اولا بصيحات: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة وتراجعت اصوات الدعوة الى ضرورة الديمقراطية كأساس للوحدة والتنمية وبعد هذه العقود الضائعة من عمر الامة العربية حيث لم تتحقق الوحدة ولا التنمية لابد ان نعيد النظر في الاولويات والا يعني ذلك اسبقية الانتظار اي الانتهاء من مهمة ثم البدء في الاخرى, بل يمكن ان يكون هناك تزامن ويظل الفرق في الاهمية والتعجيل فقط. لقد اثبتت التجارب السابقة ان نماذج الوحدة التي انهارت كان الانهيار بسبب غياب المشاركة في القرارات كما ان خطط التنمية فشلت بسبب الفساد وسوء التخطيط لانعدام المراقبة والمحاسبة والشفافية التي تكفلها الديمقراطية ومن الجانب الايجابي ان الديمقراطية تقود الى الوحدة والتنمية معا لان وجود تنظيمات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وروابط واتحادات في البلدان العربية المختلفة سيقود الى تفاعل وتلاحم مستمرين بين هذه التجمعات والجماعات. وهذه بروفة للتعايش والعيش معا ورغم ان الظروف قد تكون طارئة ولكن العلاقات المباشرة سوف تعمق بالتأكيد التفاهم والادراك المتبادل. تشهد مجموعة من الاقطار العربية صراعات داخلية ذات مضامين اثنية او دينية او ثقافية. وهذا عامل يمكن ان يستغل في اضعاف الدول المعنية بصورة مقروءة مما ينعكس على دور هذه الدول ضمن نظام عربي شامل. فمثل هذه الدول تكون مشغولة بالنزاعات الداخلية وبوحدتها الوطنية قبل ان تفكر في اي شكل للعمل المشترك مع الدول العربية الاخرى الا اذا ظنت ان ذلك سوف يساعدها في حل مشكلتها الداخلية. ويلاحظ ان بعض الدوائر الخارجية تسعى الى تضخيم ظاهرة الاقليات في الدول العربية وتحاول الدفاع عنها بادعاء انها مظلومة ومقهورة بسبب كونها اقلية, اي لانتمائها لدين معين او ثقافة او عرق مختلف وليس لسوء الادارة العام وانعدام رؤية سياسية استراتيجية عند الحاكمين. اذا لم يتم معالجة هذه المشكلات فان عددا من الدول العربية سيكون مهددا بالانفجار من الداخل لابد من الاعتراف بالتعددية في اشكالها المختلفة لاحتواء وحل مشكلة الثقافات غير العربية. واعتقد ان مستقبل النظام العربي رهين بطريقة معالجة هذه القضية والتي يمكن للتوسع في الديمقراطية ان يجد لها الحل الناجع. تظل التنمية من العوامل الجوهرية في اي تقدم عربي على المستوى القطري او القومي فالدول العربية مفردة ومجتمعة تمتلك موارد بشرية واقتصادية هائلة ولكنها كما قال احد الباحثين العرب تتعرض لهدر الامكانات فهي في حالات كثيرة لا تستغل او تستغل بطريقة خاطئة ولان المجال الاقتصادي يمكن ان يكون نظريا هو الاسهل في التعامل ضمن نظام عربي موحد لذلك يمكن البدء بمشروعات اقتصادية ولكن الخلط المستمر بين النزوات السياسية والمصالح الاقتصادية الحيوية اضر بقيام مشاريع جيدة عديدة اقترحها المختصون العرب في الاقتصاد والتجارة والمال ومن الجوانب الهامة في مستقبل النظام العربي في صلته بالتنمية ضرورة حرية حركة البشر وليس فقط حركة رؤوس الاموال, فحرية التنقل لا تساعد اقتصاديا فقط بل تتمنى التفاهم والمعرفة والادراك بين العرب. يتأثر مستقبل النظام العربي ببعث وعي جديد ومتقدم عن اهمية الوحدة العربية. فالدعوة للوحدة العربية انحسرت في العقل السياسي العربي ولم يعد لها نفس ذلك العنفوان الذي عرفته خلال الستينات. فلقد برزت بعض التشققات في الوعي الوحدوي العربي مع ظهور تساؤلات حول الهوية نفسها مما ينعكس على نوع النظام المطلوب. وصرنا نسمع عن دعوات وتقسيمات هل نريد نظاما عربيا ام نظاما عربيا ــ اسلاميا ام نظاما اسلاميا؟ مثل هذه التقسيمات المفتعلة في احيان كثيرة تحتاج الى قدر من التأمل والبحث والحوار. كما ظهرت تيارات جهوية واقليمية جديدة تتحدث عن نظم عربية فرعية وكأنها البدل وليس الجزء المكمل مثل منطقة خليجية او الهلال الخصيب او وادي النيل او مغاربية. هذه وقائع جغرافية يجب الا تبرز وكأنها مكتفية ذاتيا عن اي علاقة كبرى. التحدي الكبير الذي يواجه مستقبل النظام العربي هو كيف يحدد موقعه في عملية العولمة الكاسحة واين يقع في هذه القرية الكونية؟ وماهو دوره في تشكيل نظام عالمي جديد عادل وانساني؟ هذا يعود بنا الى الاول: طريقة تكوين ونشأة وتطور النظام العربي وسط كل هذه المتغيرات هو الذي سيحدد دور النظام العربي كفاعل او تابع في النظام العالمي الجديد الذي يتكون الآن.