تختلف نظرة المؤرخ عن نظرة الصحفي, فالتنقيب في التاريخ يضع أمام المرء صورة أوضح وأنصع عن الأيام وكيف يداولها الله سبحانه بين الناس, وأجدني في مطلع هذا العام الجديد1999 ــ جعله الله عليكم جميعا طالع سعد ــ مضطرا الى العودة لنفس العامين(99)من القرنين الماضيين لأجد وجوهاً كثيرة من التشابه والتطابق ووجوهاً عديدة من النكبات والصحوات ومن الهزائم والانتصارات ولنبدأ بأواخر القرن الثامن عشر, وبعام 1799 بالذات حيث تغلغل الجنرال نابليون بونابرت في مصر وبعض أرجاء الشام, وشرع يفرض الحضور الاستعماري بقوة مدافعه ومطابعه, بعد أن أخمد ثورة القاهرة الكبرى التي اندلعت أيام 22 و23 و24 أكتوبر سنة 1798 وقتل فيها وبعدها بونابرت أعز علماء الأزهر وطلابه المكافحين المجاهدين, واستقر لبونابرت الى حين أمر الاستعمار ليصول ويجول بخيله في فناء جامع الأزهر ولكن المقاومة الاسلامية العربية تشكلت وتنادى المسلمون العرب من مصر والشام لنصرة البلاد المنكوبة. وتحرك بعد أشهر من الشام فدائي مسلم هو سليمان الحلبي الشهيد الذي ضحى بنفسه وقتل كليبر قائد الجيش المحتل, كانت صحوة عربية مشهودة أثارها احتلال صليبي غاشم مباشر, بحجة (تمدين) العرب وتم سلب ثروات أثرية مصرية بحجة الدراسة العلمية. وجاء عام 1899 بعد أحداث جسام جليلة, وبعد أن هب الاستعماران الانجليزي والفرنسي لوضع أيديهما على أجزاء كبرى من بلاد العرب والمسلمين, جاء عام 1899 ليبدأ تحقيق مشروع الدولة اليهودية التي أعلنها مؤتمر / بازل بسويسرا بزعامة المنظر اليهودي / تيودور هرتزل, ولكن ذلك المشروع كما قال صاحبه حرفيا: لن ينجز إلا حين يتقطع الرباط الروحي القوي الذي يربط بين العرب والمسلمين ألا وهو السلطنة العثمانية آخر تعبير حي وصامد عن وحدة المسلمين, فبدأت عام 1899 تتجلى المؤامرات الطورانية (قومية الأتراك) مع يهود الدونمة (اليهود الذين تظاهروا بالإسلام وارتدوا إلى دينهم) تشجعها الامبراطوريات الغربية بريطانيا وفرنسا وروسيا لتقاسم تركة الرجل المريض. ولم يقو السلطان عبد الحميد على مواجهة هذه الحملة الصليبية التاسعة لأنها كانت مسنودة فكان التخطيط رهيبا يجمع بين قوة المال وقوة الاعلام, وبدأت آخر الخلافات الاسلامية تنهار وتتمزق أوصالها في المشرق والمغرب والبلقان والحجاز, إلى أن أجهزت عليها ثورة الشريف حسين وأبناؤه في غفلة من المسلمين والعرب وانفرطت العروة الوثقى وجاءت معاهدة سايكس - بيكو (على اسمي وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا) يوم 16 مارس 1916 لترسم على الخريطة بالقلم والمسطرة دولا وكيانات جديدة من بينها كيان اسرائيل الذي وعد به اللورد بلفور عام 1917 يهود العالم. وها نحن نعيش 1999 على مسافة قرنين من الأول وقرن من الثاني, وبلاد العرب والمسلمين تراوح بين الاستباحة والشلل, لا حول لشعوبنا ولا قوة إلا بارادة الأجانب من نفس خصومنا, والمستفيدين من انحلالنا وهواننا. فهل تغير حالنا؟ صحيح اننا شعوب لا تعتبر بماضيها ولا تقرأ صحائفها ولا تستقرئ المستقبل, ولكننا نلمس صحوة جبارة مباركة, تدعو بقوة وإصرار إلى مشاركات الشعوب وفتح أبواب الشورى والدخول الى القرن المقبل بالوحدة والتضامن وعزة النفس ورفع الهامات, نلمس ميلاد ضمير عربي واع حي يرفض الهزيمة ويريد أن يشارك في صنع التاريخ إننا نسمع أصوات المستقبل تدق أبواب الحاضر المتردي. فقد صهرت عملية العدوان الامريكي ــ البريطاني على شعب العراق تلك الطاقات الكامنة لينهض المارد من غفوة القرون, نعم ما حدث كان في الأصل بسبب غلطة تاريخية لرجل واحد هو صدام حسين ــ من جملة اخطائه التاريخية الكثيرة ــ لكن توظيف الغلطة واستثمارها والابتزاز بها كان أفدح وأطول نفسا وأبعد أثرا على هدم قوة العرب وتشتيت صفوفهم وشل ارادتهم وتشويه صورتهم, وها نحن في عام ,1999 كما في عام 1799 كما في عام 1899 ندخل في حركة التاريخ ونصمد ونقاوم, ولكن هذه المرة بالشعوب ومن أجل الشعوب. ولعل المطلع على أسرار تاريخنا العربي يجد نفسه مدفوعا الى المقارنة بين قرنين وقرنين: القرنان بين سنة 1095م و1270 مرحلة الحملات الصليبية الثمانية الطويلة التي بدأت مع نداء البابا / يوربان الثاني وانتهت بموت القديس لويس ملك فرنسا في قرطاجة, والقرنان الواقعان بين 1799 تاريخ استقرار الهجمة البونابرتية على مصر والشام وبين 1999 تاريخ الهجمة الأمريكية البريطانية على العراق. القرنان الأولان انتهيا بهزيمة الصليبيين ولعل القرنين الثانيين ينتهيان بانهزام التحالف الصليبي ــ الصهيوني. لكن القرنين الأولين شهدا ميلاد صلاح الدين الأيوبي.. وهذه هي المفارقة الكبرى!