ونظن ان دوائر التربية والتعليم والتثقيف والاعلام في بلادنا تحسن صنعا إذا ما أدرجت ضمن مناهج التثقيف ومقررات الدراسة ما أصبح يسمى الأدبيات الدولية باسم شرعية حقوق الإنسان . ما أروع العبارة الدقيقة الجامعة التي تزين كتاب نهج البلاغة حيث تصف النفاق الفكري أو التدليس المعنوي بأنه (كلمة حق يراد بها باطل) . وما أكثر ما تتردد هذه العبارة على خاطر المرء وهو يطالع ويتابع تصريحات كثير من الساسة والمفكرين في عواصم الغرب.. وربما كان آخرها ما جادت به قريحة السيدة أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا حين قالت ما معناه: عظيمة تلك التطورات التي استجدت على قانون حقوق الإنسان منذ (محاكمات) نورمبرج (بحق زعماء النازي بوصفهم مجرمي حرب). بفضل هذه التطورات لم تعد رجعية القوانين تمثل مشكلة. القانون بأثر رجعي ورجعية القانون ــ كما يقول الأستاذ جون بولتون وكيل الخارجية في عهد الرئيس بوش, نائب المدعى الأمريكي العام في عهد الرئيس ريجان معناها (تجريم أو تأثيم فعل ما بعد تاريخ وقوعه) وهو نوع من سريان قانون الحاضر على أحداث الماضي بما يترتب على ذلك من حقوق وآثار شتى. ويمضي الأستاذ جون بولتون موضحا ان الادعاءات بوقوع جرائم حرب وجرائم ابادة للبشر (جينوسايد) وجرائم بحق الإنسانية أصبحت الآن محور اهتمام الصحافة وأجهزة الاعلام والنشر في طول العالم وعرضه, لا لان هذه الجرائم الشنيعة قد زادت في حجمها أو درجتها, ولكن بحكم تسليط الأضواء المتزايدة والكاشفة على وقوعها في الحاضر وأيضا في الماضي ولا سيما بعد أن اشتد ساعد ما أصبح يعرف في زماننا الراهن باسم (الحركة الدولية لحقوق الإنسان) , دع عنك ذلك الفيض المتدفق من الكتابات الصادرة في هذا الموضوع, بحسن النيات وسوئها ومن أهم وأحدث تلك المنشورات كتابان صدرا في أمريكا منذ أشهر قليلة أولهما بعنوان: جرائم الحرب: الوحشية وابادة البشر والارهاب والكفاح من أجل العدالة من تأليف (أريانير) , والكتاب الثاني بعنوان: بين الثأر والغفران: كيف نواجه التاريخ بعد ابادة البشر والعنف الجماعي. الماضي يحكم الحاضر وفي هذا السياق بالذات قدم الأستاذ بولتون عرضا نقديا لكتابين (مجلة فورين افيرز شؤون خارجية ــ عدد يناير/ فبراير 1999) وكل منهما يقدم وجهة نظر متباينة عن الأخرى, حيث يدعو الكتاب الأول إلى الأخذ بخناق الماضي ومحاكمته وتجريمه والمعاقبة عليه بصرف النظر عن سيادة الدول وعن وجود دساتيرها القومية واختصاص تشريعاتها ومحاكمها وأقضيتها الوطنية فيما يدعو الكتاب الثاني إلى التأني المدروس في تناول مثل هذه المواضيع التي أصبحت بحق شأنا مستجدا من شؤون القانون الدولي ومن شجون العلاقات مع الدول ومع القانون ومع التاريخ. ويكاد الأستاذ الأمريكي بولتون يرفض أو فلنقل يتحفظ على وجود من يصفهم بأنهم المدعون العامون العالميون أو بمعنى آخر (ممثلو الاتهام العالميون) الذين قد يعمدون إلى تنصيب أنفسهم حكما على تصرفات وقعت في هذه المرحلة أو تلك, أو في هذا السياق أو ذاك.. وهم الذين يكيفون التهمة وهم الذين يرفعون الدعاوى ويحركون الاتهامات وينصبون المحاكمات التي تبدأ أصلا في وسائط الاعلام ويعمدون من خلالها إلى تشكيل اتجاهات الرأي العام وهم يصدرون في هذا كله عن النسق الثقافي الخاص بهم وببلادهم ومن خلال منظورهم الفكري وظروفهم القومية والوطنية والاجتماعية والاطار المعرفي والمرجعي الذي يحيلون إليه. منظومة حقوق البشر وتكريس حقوق الإنسان في عصرنا كلمة حق لا شك فيها.. والدعوة إلى اقرار الحريات الأساسية للبشر يشكل ــ كما يقول فقهاؤنا فرض عين بقدر ما انه فرض كفاية ــ كيف لا. وحقوق الإنسان تبدأ بذلك الحق البديهي المسمى (الحق في الحياة) وهو امر نقره وتكرسه كل العقائد وفي مقدمتها الاسلام الذي يذهب الى ان من قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعا, ثم تتدرج الحقوق الى الحق في التنمية والفضل في ادراجه ضمن منظومة حقوق البشر المعاصرة, يرجع كما نتصور الى زعيمة الهند الراحلة انديرا غاندي التي دعت الى هذا الحق لأول مرة, في محاضرة شهدناها شخصيا لدى انعقاد مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية, الاونكتاد في بلجراد منذ 15 عاما.. هذا بالاضافة الى ما يعرفه الناس في العالم من حقوق وحريات الانسان الاساسية الاخرى التي تعطي مجالات التعبير دلالات والمعتقد (او الضمير) وحق الاجتماع (تكوين الجمعيات) والحق في العمل والضمان الاجتماعي) . ونظن ان دوائر التربية والتعليم والتثقيف والاعلام في بلادنا تحسن صنعا اذا ما ادرجت ضمن مناهج التثقيف ومقررات الدراسة ما اصبح يسمى في الادبيات الدولية باسم الشرعية الدولية لحقوق الانسان) وهي منظومة متكاملة من الوثائق الاساسية ذات الحجية العالمية والتاريخية, ومن الصكوك القانونية التي حازت ما يكاد يقارب الاجماع العالمي مع نهاية هذا القرن العشرين. بفضل الانضمامات المتوالية من جانب مجاميع الدول اليها ومن ثم اصبح لتلك الصكوك صفة الالزام التعاقدي الذي تتحمل تبعاته وواجباته الدول التي قامت بالتوقيع والتصديق عليها بواسطة سلطاتها ومن ثم اجهزتها التشريعية ـ النيابية المختصة وهي بهذا اكتسبت صفة التشريع الاعلى الذي يجب (بتشديد الباء) التشريعات الداخلية بعد ان اصبحت داخلة ضمن مدونة القوانين الوطنية. الصكوك الاربعة وابرز ما تشمله الشرعية الدولية لحقوق الانسان اربعة صكوك اساسية هي: 1 ـ الاعلان العالمي لحقوق الانسان (وقد صدر بقرار رائد ومبكر من الجمعية العامة للامم المتحدة في دورتها الثالثة وجاء صدوره بتاريخ 10 ديسمبر 1948. وقد وصفناه بالقرار المبكر لأن الجمعية العامة فرغت منذ ثلاثة اسابيع فقط من عقد دورتها الثالثة والخمسين) . 2 ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (وقد اصدرته الجمعية العامة, بمقتضى قرار تاريخي في دورتها الحادية والعشرين وهو القرار 2200 الصادر بتاريخ 16 ديسمبر 1966 ثم بدأ سريانه في 3 يناير عام 1976. 3 ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية, وقد صدر بدوره بموجب القرار السابق 2200 في الدورة الحادية والعشرين للجمعية العامة وبنفس التاريخ وان كان نفاذه قد بدأ بتاريخ 23 مارس 1976. 4 ــ البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (وصدر كذلك في تاريخ صدور العهدين السابقين وبدأ نفاذه ايضا في 23/3/1976) وترجع اهمية هذا البروتوكول الى طابعه التنفيذي او الاجرائي والى انه انشأ آلية المتابعة على المستوى الدولي وهي اللجنة المعنية بحقوق الانسان التي كانت وما برحت من اهم مؤسسات منظومة الامم المتحدة حيث تضم في عضويتها كوكبة من اكابر فقهاء القانون الدولي المعنيين بهذا المجال. الأسس الاربعة ونحسب ايضاً ان امر حقوق الانسان وما يرتبط بها من مشاكل وقضايا لا بد وان ينال اهتمام المعنيين في وطننا العربي, من مسؤولين وحقوقيين ودعاة وحركيين ــ ناشطين (ناهيك عن امثالنا من عباد الله المراقبين او المحللين) على ان يتم هذا الاهتمام من خلال منظور يصاغ على الاسس الاربعة التالية: حقوق الانسان اصبحت شأناً عالمياً بمعنى انها باتت موضع اهتمام ومتابعة شعوب العالم بحيث لا يجدي في التعامل معها منطق العزلة في عصر اعلام الفضائيات, فضلاً عن ان عالمية هذه الحقوق بمعنى شموليتها او عموميتها تجعلها كيانات متكاملة لا سبيل الى تجزئتها ومرة اخرى نميل الى اشارة الاسلام الحنيف الى عالمية او عمومية الادانة بالقتل اذ يتم بحق روح واحدة لانسان فرد بعينه, ولكن الجرم ينسحب ليشمل البشر من خلق الله اجمعين. تأكيد عالمية حقوق الانسان لا تعني في رأينا الدعوة الى (عولمة) حقوق الانسان بمعنى الدعوة الى فتح الابواب على مصاريعها امام تدخلات الجمعيات والدول والقوى الاجنبية في كل صغيرة او كبيرة من شؤون الدول ذات السيادة ومن ثم مصادرة قدرة سلطات تلك الدول على ادارة امورها وضبط اوضاعها الداخلية. وكم من دعوة الى حقوق الانسان ما لبثت ان تكشفت عن رغبة في التدخل بقصد التجسس او التخريب او النيل من المصالح الوطنية للدول والامم والشعوب ولا مفر في هذا السياق بالذات من الحفاظ على التوازن الشديد الرهافة بين مقتضيات السيادة الوطنية وبين عالمية الحقوق الانسانية.. على ان يصون السيادة الوطنية منطق الديمقراطية في سلوكها ومبادئها ومؤسساتها, ويصون حقوق الانسان الاحتكام الى الأمم المتحدة بوصفها مجمع الدول وبرلمانها العالمي. الاخذ بمنطق المكاشفة او المصارحة او الجهر العام او العلانية جلاسنوست حسب التعبير الجورباتشوفي الشهير ويعني حرفياً الشفافية في ادارة المنظومات التي تتعاطى مع شؤون وقضايا حقوق الانسان سواء على الصعد الوطنية النظرية او على الصعيد العالمي بشكل عام. ان الركون هنا الى حسن النوايا امر فيه ما فيه من السذاجة السياسية ان لم نقل من التنصل من مسؤوليات العمل العام. ومرة اخرى نميل الى المثل الايطالي الشهير الذي يقول: ان الطريق الى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة. ويصدق هذا الامر بالذات على مجال التمويل, المقدم لمؤسسات وجماعات ونشطاء حقوق الانسان ونحن ندعو بداية الى ان يكون التمويل وطنيا وذاتياً ونابعاً من صميم مقدرات وموارد الوطن فذلك بحد ذاته مقياس يشهد نجاح منظمات حقوق الانسان المحلية في التفاعل الايجابي الناجع والصحي مع جماهير الشعب الذي تنتمي اليه هل نسوق مثلاً على ما تفعل تلك الجهود الفردية التي بذلها رواد في مجال حقوق الانسان مثل توماس بين المفكر الداعية الامريكية الذي مارس انشطته في هذا المجال طيلة الربع الاخير من القرن الثامن عشر وكم كان يسهر الليالي في مطبعة بدائية يعكف فيها على كتابة وطباعة الملازم او الكراسات التي كان ينشرها في جهد فردي وحيد وعلى نفقته وبموارده الشحيحة اصلاً .. دون ان يلجأ الى سيد او الى راع يمده بالامكانات؟ صحيح ان امور زماننا ازدادت تعقيدا, وان جهود الافراد لم تعد مجدية وسط تشابكات الحياة الراهنة واننا مقبلون على عصر المجتمع المدني الحافل بالتنظيمات الشعبية ــ الاهلية ــ غير الحكومية التي ينبغي ان تمارس نشاطاتها في تشكيل اجواء المجتمع وصون حقوقه والمشاركة مع السلطة الحاكمة في معالجة مشاكله.. والاصح باستمرار هو ان تخضع تمويلات وتحركات تلك المنظمات بكل اهميتها التي باتت محورية, الى عنصرين جوهريين هما: (1) المساءلة او المحاسبة. (2) المكاشفة او الشفافية. ويبدو اننا نفتقر الى التقاليد التي من شأنها ان تكيف وتضبط هذين العنصرين الاساسيين نحن نتصور ان المساءلة هي نوع من التشكيك في ذمم الفرقاء وان المحاسبة نوع من الحساب بقصد العقاب.. ونحن نتصور ان الشفافية او العلانية قد تجعلنا عرضة لانتقادات الآخرين.. ان اعلنا عجزنا المالي استهانوا بنا, وان اعلنا وفرة في مواردنا اطلقوا الالسنة حول تربحنا من المنظمات التي نعمل في اطارها. بين الاستهانة والتشهير ومن الجلي ان مثل هذه الامور واردة ما بين الانتقاد والاستهانة, وما بين اطلاق الالسنة المغرضة باتهامات التربح والتشهير وهي واردة في غياب ما اشرنا اليه من تقاليد العمل في اطار المجتمع المدني, القائم اصلا على التطوع وعلى الصفة غير الرسمية وغير الحكومية, ونحن شعوب في العالم العربي ورثنا عن الاستعمار التركي ــ العثماني تقاليد الميري في بيروقراطيته الخانقة وفي ترابه الذي طالما دعونا الى التمرغ فيه ايثارا للسلامة, ومشينا جنب كل الحيطان من جهة.. ولكن خنقا للمبادرات والابداعات من جهة اخرى. ما هو المطلوب؟ وبقدر ما ان المطلوب في بلادنا, هو شكل جديد, متطور من ادارة الحوار ومعالجة الاختلافات وهو ما كتب فيه كثير من المهتمين بالحوار في وطننا تحت عنوان اثير يقول: (تعالوا نتعلم كيف نختلف) بقدر ما ان المطلوب كذلك هو ابداع شكل عربي كما قد نصفه من اساليب معالجة حقوق الانسان في الوطن الكبير وخاصة في مجال التمويل الخارجي (اذا ما دعت الحاجة اليه وليتها لاتدعو) فضلا عن التعاون بكل السبل الممكنة مع المؤسسات الحكومية, بعيدا عن المواجهة او التصادم او التراشق, من اجل ان تكون المنظومات الفكرية والصكوك الدولية الخاصة تحقق الانسان جزءا لا يتجزأ من مناهج بت وتشكيل الوعي عند الناشئة اولا في المدارس والجامعات, ثم بين المواطنين بشكل عام من خلال اجهزة التثقيف ووسائل الدعوة والاعلام التي تشمل, فيما تشمل برامج التلفاز ومنابر المساجد ودورات التوعية المتخصصة للمهنيين على تعدد المستويات والتخصصات, بقي امامنا, في هذه الالمامة الموجزة عامل اساسي واخير قد نختار له هذا العنوان. حذار من الانسياق وراء توريث الخطيئة وترسيخ عقدة الذنب وتكبيل الحاضر والمصادرة على المستقبل باستخدام اصفاد الماضي. وهذا موضوع الجزء الاخير من هذا المبحث ان شاء الله.