حكت لي سيدة في احدى البلاد التي زرتها هذه الحكاية, تقول السيدة: (بعد طلاقي من زوجي, عشت وحيدة في منزل صغير استأجرته على أطراف البلدة, ولما لم يكن لدي أولاد, فقد كنت وحيدة, وكان الناس ينظرون لي بطريقة ما لم أستغربها يوما, لأنني كنت أعلم كيف ينظر الناس لسيدة مطلقة تعيش وحيدة . وتكمل السيدة: (وقد كانت لي جارة, علمت من البعض بأنها سليطة اللسان ومتقولة, فكنت حريصة على كسب ودها وتجنب أذاها, وكنت كثيرا ما أتمثلها أمامي وأنا عائدة للمنزل مساء, خشية ان أكون قد تأخرت في العودة, فأصبح وقد تناقل الهواء والناس وحتى كلاب البلدة خبر تأخري) . لقد عاشت هذه السيدة ــ كما حكت لي ــ عمرا طويلا دون ان تلتقي بتلك السيدة, وكان كسب الود حسب تعبيرها قائما على أساس تجنب لسانها. وخلال هذا العمر لم تحاول ان تطرح على نفسها أي سؤال من شاكلة: (لماذا الخشية من هذه السيدة؟.. وماذا يثبت براءة هذه السيدة من ممارسات أو تصرفات شائنة مثلا يمكن ان تمنعها من التقول على الناس فيما لو اكتشفوها) مشيا على قاعدة: (من كان بيته من زجاج فلا يرمي بيوت الآخرين بالحجارة) أو من الذي أعطاها حق الحكم على تصرفات الآخرين؟ تقول السيدة: لا حظت كثيرا ان هذه السيدة قليلة الخروج الا للضرورة, ولما كان عملي يمتد طوال النهار, فقد اقنعت نفسي بأنها ربما تخرج للثرثرة مع الجارات فترة غيابي, وهكذا ظلت هذه الجارة وهما كبيرا, لم أحاول الاقتراب منها أو التعرف اليها بسبب غربتي عن المكان, وعدم معرفتي بالجيران بشكل جيد لانشغالي الدائم بأموري الخاصة وبعملي وبسبب طبيعتي الانعزالية أيضا, حتى كان ذلك اليوم الذي لا أنساه أبداً يوم عرفت ان جارتي قد توفيت بعد معاناة طويلة مع مرض خبيث كان يفتك بها ببطء. لقد كانت هذه الجارة وهماً رسمته هذه السيدة في خيالها لتضبط بها إىقاع حياتها, ومع ان الناس تمارس الأخطاء كما تمارس الحسنات وبنفس المقدار, فإن في داخل كل منا خوفا دائما من الآخرين ان يتوصلوا بطريقة النبش واستراق السمع إلى مكامن الخطايا فيستخرجونها وينشرونها على حبال غسيلهم, فنصبح عورات مكشوفة أمام كل الأعين وفي متناول كل الألسن. والجميع يخاف هذه الورطة ويعمل لها ألف حساب. الجارة كانت تعاني آلام مرض قاتل, ومع ذلك فقد تناقل الجيران بأنها سيدة ثرثارة ومتقولة, كيف يمكن ان يحدث ذلك؟ ربما لم يتناقل الجيران ذلك, والأكيد ان هذه السيدة رسمت هذا الوهم لنفسها, لأنها أرادت ان تخضع لقانون الخوف من الجيران, هذا القانون السائد في عقليات الشرق كلها, وليس العيب في القانون, فهو وهم لا وجود له, العيب في هذه العقليات التي تحتضنه وتنميه وتنمو معه وتجعل منه غابة نباتات متسلقة تسد بها أفق الحياة والجمال والخير والتواصل. بدل الخوف من جارتها, ومن ثرثرتها, كان يمكن ان تجدف إلى ضفاف أخرى معها, ضفاف المعرفة والقرب والتشارك, أما الممارسات والأخطاء, فلم يخلق البشر ليكونوا ملائكة, ولم يخلق الآخرون للقيام بوظيفة جلادين, وأن نضع الآخرين في حساباتنا احتراماً وتقديراً فذلك مطلوب, اما ان نتصرف حسب ما يهوون, وأن نضبط تحركاتنا وفق رغباتهم, فلا شك بأن أحدا منا ــ نحن أو هم ــ لن يعيش الحياة كما ينبغي.