صار هناك تقليد بروتوكولي رفيع يتم بموجبه اختيار شخصية سياسية أو اقتصادية أو ثقافية باعتبارها شخصية العام أو ما يعرف برجل العام أو الشخصية الإنسانية, وذلك وفقا لمعايير محددة تضعها الجهة مانحة اللقب . وعادة ما يشفع للشخصية عند الاختيار مساهمتها الواضحة في المجال المعني بالجائزة, وقد نالت شخصيات عربية كثيرة جوائز وألقابا في هذا الميدان من قبل هيئات ومنظمات دولية وجامعات ذات صيت واسع. اللافت للنظر في هذا الشأن هو ما قامت به إحدى صحف المملكة المغربية منذ اسبوع عندما اختارت (المواطن العادي) باعتباره رجل العام ,1998 وقد أرجعت صحيفة (الأحداث) المغربية سبب الاختيار (لإيمان هذا المواطن بالمستقبل رغم أربعة عقود من الاحباطات والصدمات). الاختيار بحد ذاته له دلالات إنسانية كبيرة جدا, والصحيفة كانت موفقة بشكل مذهل في تجاوز الاعتيادي والمتعارف عليه, ففي الوقت الذي اختارت فيه صحف أخرى شخصيات رياضية كبطل العالم لسباقات الجري هشام الجروج مثلا أو لاعب كرة القدم مصطفى حجي, فإن الصحيفة قالت شيئا آخر واختارت (المواطن العادي) أو ما تعارف عليه في لغة الصحافة (رجل الشارع) الإنسان البسيط ذو الأحلام الكبيرة الذي عرف ــ حسب الصحيفة ــ كيف يحافظ على شعلة الأمل والإيمان بالمستقبل, وان يواجه تحديات هذا الواقع الشرس بنفس متسامحة, مظهرا صبرا أقوى من صبر أيوب. وفي نهاية الأمر فإن هذه الصحيفة توجه الأنظار إلى قضية في منتهى الخطورة والحساسية, هي قضية رجل الشارع, المواطن العادي وضرورة تبني مواقفه وأحلامه وتأثيره في الأحداث سواء كان هذا التبني من قبل السلطة الحاكمة أو السلطة الرابعة (الصحافة) والأهم من قبل نفسه أولا وأخيرا. في المناخ العربي يتحرك إنسان مليء بالطموحات والأحلام, يخرج كل يوم من قلب تاريخ لا يملكه غيره, ويتحرك وسط جغرافيا لا يحتمل مدى خطورتها وحساسيتها ولهيبها غيره, وينقذف في شوارع وطرقات ودهاليز تموج بالسياسة والاقتصاد ومقولات الرفاهية والتقدم وخرافات التنمية والاهتمام بالمواطن, وحقائق المؤامرات والتنازلات وتكسير الثوابت بقصد وتصميم في مقايضة رخيصة يربح فيها من يدفع أكثر ومن يفاوض بنفس أطول!! وبرغم ذلك يزج هذا المواطن العربي بنفسه في كل هذا الطوفان, صارخا في داخله برغبة البقاء حيا, أو الموت واقفا, لأن خيار العيش بكرامة محصنة بقليل من الرفاهية وشيء من الحرية والديمقراطية والأمان أصبح خيارا صعبا في هذه البيئة تحديدا, ومن هنا جاء اختيار الصحيفة للمواطن العادي على انه (رجل العام 1998) . والحق يقال فإن هذا المواطن ــ ليس المغربي فقط وإنما العربي على امتداد الرقعة العربية ــ هو شخصية أو إنسان كل الأعوام والسنوات العربية العجاف منها وغير العجاف! فهو برغم كل مبررات الضياع والموت والتلاشي التي فرضت نفسها عليه إلا انه كان الأقوى بإيمانه وشعلة الأمل في داخله, وبقي كما سيبقى دائما يصنع التاريخ ويعمر الجغرافيا, بينما غيره يجني أمجاد التاريخ, ويتمتع بثروات الجغرافيا!