النظام العراقي كارثة, وحزب البعث العراقي هو أكبر وأعظم حزب ارهابي في عصرنا, والجيش العراقي هو الذي بدأ العدوان على ايران, وهو الذي اجتاح الكويت وهو الذي ضرب الرياض بالصواريخ, كل هذا حقيقي وصحيح, ولكن هل النظام العراقي هو مشكلتنا الآن ؟ الواقع ان العراق ليس هو المشكلة, ولكن النظام الأمريكي هو المشكلة, وحكومة اسرائيل هي المشكلة ومشكلتنا نحن العرب في الفترة الأخيرة بدأت بزيارة كلينتون للمنطقة, وتصورت الأغلبية الطيبة من شعبنا ان مشكلة الشرق الأوسط في طريقها الى الحل, فها هو رئيس أكبر وأقوى وأغنى امبراطورية على ظهر الأرض تفضل وتنازل وقرر زيارة الأرض, التي تعاني منذ نصف قرن, وما دام هو بنفسه قد قرر الحضور شخصيا فلابد ان الحل في جيبه, والتوفيق سيكون في ركابه, وهكذا جاء الرئيس كلينتون إلى المنطقة, وزار اسرائيل أولاً وأعلن في المؤتمر الصحفي وهو واقف الى جوار نتانياهو أنه يؤمن بضرورة توفير الأمن لاسرائيل, ودعا جميع الأطراف الى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من التزامات في الاتفاقيات التي وقعتها السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية, وبعد ذلك هبط الرئيس كلينتون في مطار غزة, ثم حضر الاجتماع الحاسم الذي ضم عرفات ونتانياهو, وهو الاجتماع الذي تحدى فيه نتانياهو الرئيس الأمريكي وأعلن انه لن يعيد بوصة واحدة من الأرض للسلطة الفلسطينية الا بعد ان تقوم السلطة بواجباتها فتقوم بتدمير منظمات الارهاب, وتتعهد بعدم اعلان الدولة الفلسطينية, وتعلن عدم مطالبتها بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية! وهكذا خرج الرئيس الأمريكي من المنطقة وقفا سيادته يقمر عيش, وعندما توسلت وزيرة الخارجية للسيد نتانياهو ان يعطي للرئيس كلينتون شيئًا يحفظ هيبته أمام شعوب العالم, ويحفظ ماء وجهه أمام الشعب الأمريكي, انتفض نتانياهو ونهرها بشدة, لدرجة ان وزيرة الخارجية أخفت وجهها بشنطة يدها خشية أن يلطشها نتانياهو بالقلم عقاباً لها على تهورها وتجاوزها حدود الأدب باعتبارها مجرد وزيرة خارجية بينما سيادته رئيس وزراء منتخب انتخابا مباشرا من شعبه, وعاد الرئيس الأمريكي الى واشنطن, وفي اليوم التالي عقد مؤتمرا سياسيا في البيت الأبيض, حضره مستشار الأمن القومي ورئيس المخابرات الأمريكية ووزير الحربية ورئيس أركان حرب الجيوش الأمريكية, وتصورت الأغلبية من شعبنا العربي الطيب ان الرئيس الأمريكي سيرد على الإهانة التي وجهها نتانياهو لمقامه العالي, وانه سيفرض على نتانياهو تنفيذ التزاماته التي رفض تنفيذها بالذوق, وكانت الصدمة الشديدة عندما انكشف الملعوب في صباح اليوم التالي, فإذا بالحملة الأمريكية العنترية موجهة للعراق وليس لاسرائيل, وكان المستهدف هو رأس صدام حسين وليس رأس نتانياهو, وتضاعف أثر الصدمة عندما اكتشف الناس ان الشخص الوحيد خارج القيادة الأمريكية الذي كان يعلم بأمر الضربة قبل وقوعها هو السيد نتانياهو وان خبرها تسرب اليه بواسطة الرئيس الأمريكي نفسه وقبل صعوده الطائرة التي عادت به إلى بلاده! هذه هي المشكلة أيها السادة, وهذه هي أسبابها وهؤلاء هم أطرافها, نتانياهو يستولي على أرض العرب ويضرب لبنان كل يوم بالطائرات ويضرب الفلسطينيين كل يوم بالرصاص, ويتوسع في الأرض الفلسطينية بالمستوطنين والمستوطنات, ويتدخل الرئيس الأمريكي فلا يجد إلا الرفض من جانب نتانياهو, فيغضب الرئيس الأمريكي وتكون النتيجة ضرب العراق. ما الذي فعله العراق بالضبط؟ منع دخول المفتشين الى فرع حزب البعث في الأعظمية, وقال البغل الاسترالي باتلر, ان حكومة العراق تخفي أسلحة الدمار الشامل في مكتب رئيس الفرع ولذلك يجب دك بغداد كلها بجميع أنواع الصواريخ, هذا القبح السياسي الذي ارتكبته أمريكا في المنطقة هو سر خروج الناس الى الشوارع على امتداد العالم العربي, لم يكن خروج الناس من أجل سواد عيون الرئيس العراقي, ولم يكن من أجل تثبيت أركان حزب البعث في السلطة, ولكنه كان احتجاجا على الحال المايل والكيل بعشرين مكيال, الصواريخ والإهانة لنا نحن العرب, والمعونات والدولارات وأحدث أنواع الأسلحة لاسرائيل والخواجا نتانياهو, والحق أقول لكم أنه لو لم يخرج الشارع العربي إلى الشوارع احتجاجا على ما يجري من ممارسات على الساحة لقلنا أن العرب صاروا إلى زوال. وأقول لكم بمنتهى الصراحة لو زجر كلينتون الخواجا نتانياهو لو حمل الحكومة الاسرائيلية مسؤولية الكوارث والمصائب التي تقع في المنطقة, لو فرض على نتانياهو تنفيذ الاتفاقيات التي جرى توقيعها بين السلطة والحكومة الاسرائيلية في البيت الأبيض وبحضور الرئيس الأمريكي نفسه لو انه اكتفى حتى بالتصريح بأنه سيعلن اعترافه بالدولة الفلسطينية لحظة اعلان عرفات في مايو المقبل, لو أشار ولو بتحفظ إلى أن أمريكا العظمى تقف بين العرب وإسرائيل كطرف محايد أو منصف, لو ان كلينتون فعل شيئاً من هذا, لكان موقف الشعب العراقي مختلفا ولكان الشارع العربي أهدأ, أما أن يكون موقف القوة العظمى الوحيدة هو الانحياز الكامل لاسرائيل, والعداء الكامل للعرب, حتى الاتفاقات التي وقعتها اسرائيل بضمانه وتحت رعايته تلقي اسرائيل بها في صندوق الزبالة وعلى مشهد من سيدي الرئيس كلينتون نفسه! ما الذي فعله العراق يا سادة؟ هل احتل أرضاً ويرفض الخروج منها؟ هل يعربد في المنطقة بطائراته وجيوشه؟ هل يتحدى قرارات هيئة الأمم المتحدة؟ إذا كان يقوم بهذه الأعمال فاضربوه وادفنوا شعبه تحت الأنقاض, ولكن بشرط ان تضربوا اسرائيل معه, فهي تحتل أرضا ليست لها, وتعربد في المنطقة بطائراتها وجيوشها, وتتحدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن, وتتحدى الرئيس الأمريكي بجلالة قدره. ماذا أقول أيها السادة, كم أفتقد قلم المفكر المصري العربي الذي رحل عنا وعن دنيانا, كم أفتقد قلم عمنا أحمد بهاء الدين في هذا الوقت الذي اختلطت فيه الأشياء والمفاهيم, وأصبح فيه أي شيء مثل كل شيء. و .. يا مثبت العقل, يا ألله ..!