من الافرازات الاساسية للعدوان الانجلو امريكي على العراق, والذي ميز هذه السنة بروز نوع من التمايز بين الموقف الرسمي, والمواقف الشعبية على امتداد الوطن العربي ففي الوقت الذي ظلت المواقف الرسمية حذرة, متأرجحة بين الادانة والتعبير عن القلق والانشغال, والدعوة الى حل الخلاف بالطرق السلمية, فان الرأي العام العربي لم يتردد في الخروج الى الشارع للتعبير عن تدميره وسخطه من المواقف الرسمية من جهة, ومن استباحة الولايات المتحدة للعالم العربي رغم خطابها القائم على احترام الشعب العربي والاسلامي. فالدول التي فرض عليها مجلس الامن عقوبات هي بالاساس دول عربية, كما هو الامر بالنسبة للعراق وليبيا والسودان. وفي كل هذه الحالات لا تستقيم الادعاءات القاضية بان هذه الاجراءات من شأنها ان تضعف النظام القائم. ففي جميع هذه الحالات يتبين بجلاء كيف ان الخاسر الاكبر يبقى المواطن العربي. فعلى عكس ما هو مراد من هذه العقوبات, فانها كثيرا ما تزيد من قوة النظام, اعتبارا الى ان انغلاق النظام يجعله في منآى من التأثيرات الخارجية. وذلك ما يزيده مناعة بفعل عدم تعرضه للتيارات الخارجية التي باتت تشكل احدى وسائل التغيير الاساسية. لقد شعرت السلط العربية بهذا الشرخ, وسارعت الى التعبير عن بعض المواقف المصححة للموقف الرسمي من خلال جلسات خاصة للبرلمانات, والتي دعت الى رفع الحظر عن العراق, والدعوة الى مؤتمر استثنائي للقمة العربية, وكذلك السماح لبعض القوى من التنفس من مكبوتاتها, كالدعوة الى مقاطعة البضائع والمنتجات الامريكية والانجليزية. لكن هل يعني رد الفعل هذا, ان وضع العالم العربي سيكون احسن خلال السنة المقبلة؟ من هذا المنطلق ينبغي الاقرار انه اذا كانت المسألة العراقية, والعلاقات مع اسرائيل تشكلان القضيتين الاكثر اثارة في علاقة النظام العربي مع محيطه العالمي, فان ذلك لا ينفي اننا نتخبط في مجموعة من الاختناقات التي تحجم من التأثير العربي في محيطه. وتتعلق اساسا بثلاث قضايا مرتبطة ومتداخلة فيما بينها, تحيلنا الى النظام السياسي والاقتصادي, والعلاقات العربية العربية, واخيرا علاقات العرب مع الآخرين. فعلى المستوى الاول, لم يتم حل المشكلتين المزمنتين اللتين استقطبتا الجدل الفكري العربي منذ سنوات, وهما قضية التنمية, والديمقراطية. ففيما يخص القضية الاولى, واستنادا على التقارير المتعلقة بمؤشرات التنمية, واذا تركنا الدول الخليجية التي تتميز باقتصاد ريعي, فاننا نلاحظ ان اغلب الدول العربية تحتل مراتب متأخرة تكشف عن استمرار معوقات كبيرة في مواجهة الاقلاع الاقتصادي, ويتعلق الامر اساسا بغياب ما اصبح يصطلح عليه بالتسيير الجيد Good Governance, ويتمثل ذلك في استثراء الفساد, وضعف الاداء الاداري المثقل بالنزعات البروقراطية, وغياب القضاء المستقل والسريع, والمناخ المشجع لجلب الاستثمارات. فضلا عن ذلك, فان الواقع الاقتصادي العربي يكشف عن شح ملحوظ سيتفاقم في الموارد الاقتصادية للاقطار العربية. فالمداخيل النفطية التي تشكل اهم مورد بالنسبة لبعض الدول العربية قد تراجعت كثيرا. وهو الامر الذي يطرح مدى قدرة هذه الدول على انتاج موارد بديلة قادرة على تعويض النفط. ومما يزيد الاوضاع سوءا, وربما يجعل المستقبل اكثر قتامة, هو غياب مشروع مجتمعي لدى القوى السياسية, حتى تلك التي تنشد التغيير. فالحلول المقترحة هي حلول براجماتية تبدو عاجزة عن مواجهة التحديات سواء منها الداخلية او الخارجية يتعقد الوضع العربي اكثر بفعل الصراعات والخلافات المحتدمة بين اطراف النظام الاقليمي العربي. فحالة التوتر مازالت هي الضابط للعلاقات العربية ــ العربية. لقد افضت هذه الوضعية الى اضعاف قنوات التواصل بين العرب. في ظل هذه الحالة لايواجه العالم العربي محيطه بشكل جماعي وانما بطرق منفردة واخطر من الفترات السابقة التي رسمت مسيرة النظام العربي فان الوضعية الحالية تتميز بوجود اختراق عسكري اجنبي مقبول للمنطقة العربية. وليست هناك مبادرات عربية ايجابية للخروج من المأزق التي تتردى فيها بعض الاقطار العربية فالدول العربية تكتفي بالفرجة على المنافسة الموجودة بين مختلف القوى الكبرى لترتيب البيت العربي بشكل يستجيب لصالحها. من المؤكد اننا لانملك الكثير من الامكانيات التي تسمح لنا بالتأثير في مجريات الاحداث لكن ذلك لايشفع لنا هذا الغياب في معالجة قضايانا ولو بمبادرات رمزية ففي قضية لوكيربي التي يتعرض من جرائها الشعب العربي الليبي لحصار ناتج عن قرارات مجلس الامن بضغط من الولايات المتحدة. قررت منظمة الوحدة الافريقية بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية الذي اعتبر هذا الجهاز مختصا في النظر في الخلاف الليبي الامريكي الانجليزي خرق الحظر الجوي بشكل انفرادي ونزلت طائرات متعددة حاملة لمسؤولين افارقة وعلى خلاف ذلك لم يتجرأ العرب على القيام بنفس الاجراء مع ان روابط ليبيا مع العروبة لا يطالها الشك. ان غياب المبادرات العربية قد يعود الى حدة التناقضات الموجودة بين الاقطار العربية واعطاء الاولوية للمصالح الوطنية ولكن اكثر من ذلك فإنه يكشف عن عجز الارادة العربية في التصرف بنوع من الاستقلالية حتى في بعض القضايا التي لايوجد حولها خلاف بين الاقطار العربية ومعنى هذا ان النظام العربي قد زاد تراجعا في تفاعله مع المحيط الدولي, الذي لم يعد ينظر اليه ككتلة لها نفس التصور للاحداث الدولية. ان هذه المعطيات لايمكن ان تدفع المحلل الى التشاؤم فعلى المستوى الهيكلي لا يبدو لي ان النظام العربي قادر على تغيير الاوضاع في المدى القريب فالتناقضات العربية ــ العربية وحتى داخل الدولة العربية معقدة ولاتكفي بعض الاجراءات المرتبطة بردود فعل قد تكون عاطفة على ردمها او تجاوزها لكن هذا لايمنع من التساؤل حول الممكن, اي تلك المبادرات التي لاتهدف الا الى التقلص من حجم الخسائر الناتجة عن وضعية التشرذم التي يعيشها النظام العربي. يأتي في مقدمتها ضرورة انعقاد مؤتمر للقمة وقد تنتج اهميته ليس من خلال انتظار قرارات قد تغير جوهريا من الواقع فمن الواضح ان استقراء فاحصا لتاريخ القمم العربية يبين بجلاء انها لم تكن دائما حاسمة في قراراتها, واكثر من ذلك, فان ما يتخذ من قرارات غالبا ما يبقى حبرا على ورق. لكن في الظروف الحالية, فان النجاح في التئام مثل هذه القمة قد يشكل خطوة ايجابية شريطة ان يتسم بالصراحة والشجاعة في مواجهة القضايا المطروحة, واتخاذ قرارات مسؤولة قابلة للتطبيق. ان اهميته قد تنبع اولا من معاودة اللقاء بين القادة العرب بعد نفور دام اكثر من ثماني سنوات. وهو امر في حالة تحققه قد يعني طي صفحة الماضي الناتجة عن الاجتياح العراقي للكويت. وهي الدعوة التي مافتىء يدعو اليها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئىس الدولة. في نفس الوقت, فإنه قد يساهم في تجريد الولايات المتحدة من احدى ذرائعها في ضرب العراق, الا وهو اعتبار هذا الاخير كمهدد لأمن جيرانه. ويمكن للاقطار العربية ان تحسم في هذه المسألة. وقد يرتبط بذلك ضرورة اعادة العراق الى حظيرة المنتظم الدولي من خلال مساندة المواقف الدولية الداعية الى رفع الحصار عن العراق اعتبارا الى كونه لم يساهم الا في الرفع من معاناة الشعب العراقي, وانه لم يعد الا وسيلة لمزيد من تدمير العراق, وابقائها خارج المجتمع الدولي. علاوة على ذلك, فان مثل هذه القمة قد تعطي نوعا من المساندة ولو المعنوية للسلطة الفلسطينية في مواجهة التعنت الاسرائىلي. علاوة على الدول العربية الاخرى التي تواجه انواعا من الحصار الجائر, كما هو الامر بالنسبة لليبيا والسودان. لكن قد يكون من باب السذاجة السياسية الاعتقاد ان مؤتمرا من هذا القبيل حتى في حالة انعقاده قد يستطيع تجاوز المحنة التي يواجهها النظام العربي فصحيح, انه قد يشكل لحظة وعي قد تمكن من وقف النزيف, وتسمح للعالم العربي باسترجاع قدرته على اتخاذ القرار الجماعي المستقل. لكن, الامر اصعب مما نتصور. استاذ العلاقات الدولية - الرباط ــ المغرب