في العالم العربي أنماط مختلفة من الاعلام, فمنه ما يمثل الدول ومنه ما يمثل المجتمعات ومنه من لا يكاد يمثل ذاته . الاعلام الرسمي في العالم العربي في مأزق وذلك لان الخبر السياسي الذي يعكسه لا علاقة له بأحداث متجددة متحركة, كما ان التعبير الاعلامي يبدو مليئا بالقيود السياسية والاعتبارات الخاصة والكثير من الخطوط الحمراء التي تراعي توازنات الحكومات وسياسات الدولة مع الدول الأخرى كما وتخشى من أن يسجل نقاش ما خارج عن المألوف على الدولة أو أن يسجل تصور ما على الدولة ومؤسساتها. في هذا يزداد عزوف الجمهور الأوسع عن الاعلام الرسمي ومخاوفه. لنتذكر بأن نجاح الغرب الاعلامي ارتبط بالحرية السياسية وبالتنافس أولا والتنافس ثانيا وثالثا. ان الاعلام السياسي الحكومي العربي لديه حساسية كبيرة تجاه الابداع الوطني ولهذا ورغم محاولات الكثير من الشباب الصاعد والطاقات المحلية الجيدة في أكثر من بلد عربي فقد ترسخ نمط في الاعلام يكاد لا يصل إلى خارج أسوار المؤسسة التي تنتجه وقلما يخاطب العقول والقلوب معا. لهذا من الطبيعي أن يصل الجمهور في كل قطر عربي إلى حالة عزوف عن المتابعة الاعلامية المحلية. فقد خسر الاعلام الرسمي العربي جماهيره التي كانت معه في السابق في المجال السياسي والفكري والثقافي, وبدأت هذه الجماهير في التحول نحو الفضائيات المنتشرة التي بدأت تملأ الفراغ الذي خلقه الاعلام الرسمي. ان الذي جذب الجمهور الأوسع نحو الفضائيات الخاصة العديدة هو تذوقه الفطري لطرق جديدة في التعبير وبحثه عن زخم في المعلومات والأخبار وسعيه لاحتراف في العرض وتنوع في الآراء. لهذا تحولت الفضائيات الخاصة لقوة سياسية ولقوة تأثير. ومن الواضح انه لدى كل فضائية خاصة رسالة محددة أو أجندة أو سلسلة أهداف بعضها علني وبعضها متضمن, ولكن هذا ليس غريبا فكل محطة خاصة في العالم لديها أهداف ولديها سياسة ورسالة بنفس الوقت. باختصار لقد بدأ عصر الاعلام الخاص أو الاعلام غير المملوك رسميا أو الاعلام الذي يمتلك هامشا خاصا من التحرك وقانونا خاصا به ولا يخضع للتراتبية والبروتوكول. هذا النمط من الاعلام في بدايته الآن مرشح للاكتمال والانتشار على كل صعيد, بل من الطبيعي أن تشهد المرحلة المقبلة محطات لها طابع ديني وأخرى لها طابع ثوري وثالثة لها طابع تحرري, كما ان كل دولة قد تسعى باتجاه بناء محطات فضائية لها طابع خاص على نمط (الأوربت, الاى آر تي, الجزيرة, ام بي سي, وغيرها). ومن الطبيعي أن تكون المرحلة الأولى بالنسبة للاعلام الرسمي هي الدخول بمواجهة مع الفضائيات وبرامجها خاصة في ظل بروز قضايا خلافية وفي ظل تحيز بعض المحطات في مسائل محددة. ومن الطبيعي أن تذهب بعض المحطات نحو الاثارة السياسية إلى أبعد الحدود, ولكن هذا الاسلوب هو الذي يجذب الجمهور المتعطش للاثارة والمحروم من التعبير السياسي في الكثير من البلدان العربية, وسوف تنتقل بعض المحطات من موضوع إلى آخر ومن قضية إلى أخرى حسب الاثارة. وبينما تقاطع الدول هذا النمط من الاعلام وقد تغلق مكاتبه الا ان هذا يساهم في تقويته ويصب لصالح انتشاره. إن كل محطة تود لو تثار عليها زوبعة وذلك لتقوي من انتشارها. في هذه المعركة الفضائية لا يمكن الانتصار وتحقيق تقدم الا بطريقة واحدة: وهي المشاركة بايجابية والتحلي بالصبر وبطول النفس وعدم الاحتكام لردود الفعل والتحلي بالشجاعة الأدبية لشرح الموقف عندما تسنح الفرصة بذلك والاحتجاج عندما يقع هناك تحيز والمطالبة بالانصاف بنفس الوقت. أما الطريقة الأخرى والمكملة لطريقة المشاركة الايجابية فتتم من خلال السعي لزيادة عدد المحطات السياسية وزيادة عدد البرامج السياسية باحتراف وابداع. الحل إذن هو الدخول بالمجال المفتوح وفتح المجال لكل الطاقات والكفاءات والبرامج. أما التقوقع فهو يخلق نتائج عكسية وسلبية كبيرة على المجتمع وعلى الدول التي تقاطع, والنتيجة خسارة شاملة وغياب كامل. لقد بدأت رياح التغيير تهب على العالم العربي, وهي تهب من مناطق عدة ومن اتجاهات كثيرة, أما ردود فعل الاعلام الرسمي العربي فستتفاوت, فبعضها سوف يتقوقع لأبعد الحدود, وبعضها سوف يناقش طريقة التعامل وطريقة المقاطعة لسنوات بلا نتيجة, وبعضها سوف يلغي وزارات الاعلام الرسمية ويحول التلفزة والراديو إلى أجهزة محكومة بقانون خاص يمتلك مرونة كبيرة, وبعضها سوف يفتح المجال للقطاع الخاص لممارسة الابداع الاعلامي على كل صعيد. في كل دولة وفي كل قطر سوف تتعدد وتتفاوت ردود الفعل. إن الدول التي لن تتأقلم مع المعطيات الجديدة سوف تفقد عنصرا رئيسيا من عناصر الأمن الوطني وذلك لانها سوف تفتقد لآلية التأثير والتعبير على الصعيد الوطني المحلي وعلى الصعيد العربي الشامل, وهذا هو بيت القصيد. أستاذ في قسم العلوم السياسية ورئيس تحرير مجلة العلوم الاجتماعية, يعمل حاليا مديرا للمكتب الاعلامي الكويتي