كان استقلال السودان في 1/1/1956 هو الاول في افريقيا وبه بدأت سلسلة التحولات الاستقلالية التي انتهت بتصفية الاستعمار البريطاني والفرنسي, والاسباني والبرتغالي الاستيطاني في افريقيا . كان استقلال السودان البكر الاول, وكان كذلك الافضل لانه كان كامل السيادة, تجلت فيه عبقرية شعبنا كما جسدتها قواه السياسية والنقابية الواعية التي استطاعت بالعزيمة القوية والمرونة المرشدة, والمناورة البارعة ان تلتف حول كل المكائد والصعوبات وتحقق السيادة الوطنية المكتملة. وكان السودان عشية استقلاله قدوة ومثلا, فسياسيا كانت الديمقراطية السودانية نزيهة الانتخابات, مكفولة حقوق الانسان وحرياته الاساسية, واقتصاديا كان السودان ينتج مايكفي حاجاته الاستهلاكية ويصدر مايكفي وارداته بل كان يحقق فائضا في ميزانه الداخلي والخارجي يمول به برنامج التنمية تمويلا ذاتيا وكانت الخدمة المدنية السودانية مضرب المثل في استقامتها وحيدتها والصحافة السودانية مضرب المثل في حريتها ونضجها وكان التعليم العام والفني والعالي في السودان مفخرة العالم الثالث. كان دخل الفرد السوداني 550 دولارا في السنة وهو بدولار 1998 يساوي 5500 دولار وكان الجنيه السوداني نفسه يساوي 3.5 دولارات اما اليوم فدخل الفرد السوداني 170 دولارا والجنيه السوداني يساوي 0.04 من السنت. اي فرطاقة! وكان اهل السودان فخورين بالامل الواعد فخرا صوره شاعرهم: جبل العطاء لعزمنا حتما بذل المستحيل وننتصر وسنبدع الدنيا الجديدة وفق مانهوى ونعرف كيف ان نبني الحياة ونبتكر هذا الحال العظيم والوعد المجيد من دمره؟ القوى السياسية التي حققت الاستقلال وقعت في اخطاء تفريط اهمها: * عدم مراجعة الهيكل التنموي بصورة تحقق التنمية والتوزان الذي يحقق عدالة اجتماعية فئوية وجهوية. * عدم تفهم اهمية التنوع الديني والثقافي في البلاد, واستصحاب ذلك في خطة بناء الوطن. عدم الإلمام الكافي بصعوبة بناء الديمقراطية في ظروف التخلف, واجراء التحوط اللازم لجعل الديمقراطية مستدامة. ولكن الأيام كانت كفيلة بجعل القوى التي صنعت الاستقلال تدرك ذلك التفريط, وتتعلم من أخطائها. فالديمقراطية في كل العالم عانت كثيرا من آلام التسنين قبل أن تنضج. لكن المغامرين العسكريين لم يمهلوا التجربة الديمقراطية, فسارعوا دائما الى القضاء عليها, حتى ان ثلاثة أرباع عمر الاستقلال ضاعت في نظم عسكرية يدعمها تآمر عسكريين مغامرين لا يمثلون طبيعة العسكرية السودانية المنضبطة, بل يمثلون شخصيات طموحة بلا مبرر ولا تأهيل.. تآمر هؤلاء مع أحزاب عقائدية تقودها كوادر تستعجل الوصول الى السلطة, ولو على جسد الوطن. وقد ارتكبت النظم العسكرية في الــ 32 عاما التي استبدت اثناءها بالحكم في السودان اخطاء افراط بالغة أهمها: ــ محاولة القفز على الواقع الاجتماعي السوداني تطلعا الى ما أسموه اعادة صياغة الانسان السوداني, فضلوا مشيا وما بلغوا القديم ولا الجديد!! جعلوا القوة هي أساس حل مشكلة التباين الوطني الكبير بين شمال البلاد وجنوبها, لذلك فجروا او عمقوا الحرب الأهلية في البلاد وقوضوا كل مشروعات السلام.. الحرب الأهلية في السودان بدأت أو استؤنفت او عمقت في العهود الاستبدادية في الاعوام 1963 ــ ,1975 1983 ــ ,1991 نعم استفاد نظام مايو من تحضير الديمقراطية الثانية للوصول لاتفاقية سلام في ,1972 كما شهد بذلك الاستاذ محمد عمر بشير, أحد مهندسي ذلك الاتفاق في كتابه (جنوب السودان من الحرب الى السلام) ولكن طبيعة النظام الدكتاتورية قوضت اتفاقية السلام, وأتت للبلاد بحرب أهلية في ,1983 أسوأ من الحرب الأهلية المحدودة التي أنهتها اتفاقية 1972. واتحفت النظم العسكرية, لا سيما الاخيران نظاما (مايو) و(الانقاذ) البلاد بتحالف مريض بين مغامرين عسكريين, وطامعين عقائديين, شوهوا السياسة السودانية, وأدخلوا العنف في السياسة, وأقاموا الدولة البوليسية , ودمروا مكاسب السودان الوطنية, ان تحالفهم المريض هذا, لا سيما في عهد (الانقاذ) صار للسودان سلاح دمار شامل سياسيا واجتماعيا, ان أسوأ ما حققه نظام (الانقاذ) للسودان هو زراعة ثقافة العنف التي عمت البلاد, وتدويل الشأن السوداني بصورة لم يسبق لها مثيل, السودان اليوم حقل واسع لثقافة العنف, وأبواب مفتوحة للتدخل الأجنبي بكل أنواعه. وتمثل المذكرة الوطنية الديمقراطية الأخيرة التي قدمتها المعارضة السودانية, نفس القوى السياسية والنقابية التي حققت الاستقلال مع قوى سياسية ونقابية اضافية, قوى اسمها التجمع الوطني الديمقراطي الموسع, أو الطليعة الديمقراطية, اننا نشيد بهذه القوى الوطنية الجسورة ونعتبر مذكرتها صوت العقل والحكمة السودانية, فقد لعقتم جراحكم أيها الاحرار, وكتبتم وثيقة وطنية لو ان النظام الحالي يسمع أو يعقل لمسكها بأيديه وأسنانه, واتخذها وسيلة للخروج من مأزق العنف والتدخل الأجنبي الذي حشر فيه البلاد, ولوجد فيها بديل عن الوساطات الأجنبية لحل هو صناعة وطنية, يحقق السلام العادل والاستقرار الديمقراطي, وحسن الجوار مع جيراننا وتطبيع العلاقات الدولية, وعلى هؤلاء الاحرار ان يمضوا في سبيل رسالتهم ببرنامج تحرير لا ينتهي إلا بتحقيق تطلعات شعبنا المشروعة, ونحن أكثر الناس حزنا لمغادرة الوطن, ولحمل السلاح, ولكن كل ما فعلناه من باب معاملة النظام بالمثل, فهو فعل مضطرين (ومن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه), وعلى المعارضة في الخارج ان تلتزم بمخاطبة الأسرة الدولية اقليميا وعالميا بمعاني مذكرة الداخل الرائعة, ونعتقد ان توازنها وحكمتها ووضوحها سيجعل العالم يكشف اصرار النظام على استمرار الحرب واحتكار السلطة لحزب أقلية ان هو واصل رفضه لتلك المذكرة التاريخية. وعلى معارضة الخارج أيضا ان تواصل مخاطبة النظام باللغة التي يفهمها, حتى التحرير باحدى وسائله الثلاث: انهيار النظام كما انهار نظام منجستو في أثيوبيا ونظام موبوتو في زائير, أو الانتفاضة الشعبية الشاملة كما حدث لسودان عبود وسودان نميري, أو التحول الديمقراطي السياسي كما حدث في البرازيل والارجنتين وزامبيا وبولندا وغيرها. ان موجة التحول الديمقراطي تعم العالم, ولن يفلت منها نظام, السؤال الوحيد المشروع هو متى وكيف تأتي الديمقراطية؟ رئيس الوزراء السوداني المنتخب السابق*