في مقال الاسبوع الماضي شبهت التربية في مجتمعاتنا بالسلم الذي يصعده المتعلم, ولكن ليس الى مكان بل الى فراغ لا منتهي, والتربية سلم واهن درجاته دركات لمن يصعدها , تحتمل الانهيار في كل لحظة من حياة المتعلم, وبدأت في نهاية المقال الحديث عن بعض القضايا التي تنشدها التربية الجادة, وكان من ذلك اهمية غرس روح الانتماء لهذه الامة في كيان المتعلمين, وكذلك تدريبهم على مهارات التفكير بوضوح وفنون التعامل مع المعلومة, وتضيف في مقال هذا الاسبوع بعض الطموحات التي نتمنى ان يوصلنا لها السلم التربوي ومن ذلك: الاتصال بفعالية: من الامور التي نعاني منها في المجتمع العربي العيش في جزر متباعدة في بحيرة الحياة فيعيش الناس متقاربون في اجسادهم متباعدون في ارواحهم, وان حاول الانسان كسر جمود الصمت قد لايمتلك الكلمات المناسبة فينطق دونما تفكير فتكون الكلمة شرارة تحرق قلب المستمع, واذا كان المنزل هو نواة التربية الاولى, فإن المدرسة هي المؤسسة التي يتعلم فيها الانسان المهارات المختلفة, ومن ذلك اداب الحديث العامة, من سؤال او طلب واستفسار ومن حوار ومصارحة الى خلاف لا يذهب للود قضية, ولكن اين سنتعلم ذلك مع معلم يعتبر ان السؤال هو تحد لشخصه الكريم؟ واذا بادر بالسؤال فالهدف هو افحام المتعلم وبيان عجزه وقصوره ــ باستثناء بعض المعلمين العارفين في الميدان, بل إف من آداب المتعلم عندنا هو الصمت ونعبر عن السكوت بالادب, فمن يكثر السؤال ينقصه بعض الادب؟ فينمو الانسان صامتا في المنزل وساكتا في مدرسته وبعد ذلك منطويا في اسرته, ولا ينطلق لسانه الا خارج المنزل او المدرسة, فمقارنة بسيطة بين الحديث في قاعة الدرس وخارجه, وكذلك داخل الاسرة ومع الاصدقاء تبين لنا الحاجة الماسة لتدريب المتعلم على فنون الاتصال مع الاخرين بفعالية, وهذه امور متعلمة نستطيع ان نتعلمها كبارا وصغارا وهي التي ستعيننا في التواصل الداخلي في مجتمعاتنا وكذلك التواصل الايجابي مع المجتمعات الاخرى. ادراك البيئة البشرية: كثيرة هي الدول التي تربي التلاميذ على مفهوم المواطن الصالح, تلك التربية التي قادت الانسان للصلاح في اطار البعد الجغرافي الذي يعيش فيه, فنجد كثيرا من البشر تتبدل اخلاقهم بمغادرتهم ارض وطنهم, ومن هنا تسعى الدول اليوم الى اعداد الانسان الصالح صاحب القيم الثابتة نسبا على الاقل, وفي هذا الميدان كذلك تبرز قضية مهمة في فهم البيئة البشرية الا وهي ما دورنا نحن في بناء الانسان العالمي, وفي قضية الانفتاح الثقافي والاقتصادي؟ وبسبب تربيتنا انقسم الناس في علاقاتهم بالامم والشعوب الاخرى الى اصناف ثلاثة: اولها كان دعاة الذوبان في المجتمعات الاخرى معنويا وماديا فأصبح العاقل لا يميز بعض ابناء الجيل المعاصر ان كان ينتمي لهذه الامة او غيرها, واما الشطر الاخر فكان يدعو الى الانعزال ورفض كل ما هو ات من الشعوب الاخرى حلوه ومره فجمدت بعض الشعوب في مكانها, ولم تستفد من تجارب الدول الاخرى فبقيت في مكانها وسبقها الاخرون حتى اصبحت الفجوة واسعة بين هذه الشعوب, واما اهل الاعتدال فكانوا وسطا بين طرفين وهم اهل التواصل الانتقائي فأصحابه يؤمنون ان لدى الاخرين اشياء بامكاننا ان نستفيدها منهم, وفي المقابل فعندنا ما نقدمه للبشرية, وبهذه الطريقة نكون مساهمين في بناء البشرية ولن يكون ذلك الا اذا فهمنا البيئة البشرية التي نعيشها. امتلاك القدرات العامة: بعد حصول المتعلم على شهادة الثانوية العامة, دعونا نستوقفه ونسأله ما هي القدرات العامة التي يتقنها بعد صعوده اكثر من 12 سنة من درجات التعلم, لنضع بعض الحروف تحت النقاط, هل بامكان خريج الثانوية العامة القراءة الناقدة التي يستطيع خلالها فحص المادة واختيار محتوياتها قبل الاقتناع بها؟ وهل يستطيع التعبير بطلاقة عن افكاره مشافهة او كتابة؟ ما هي قدراته على التعامل مع الحاسب الالي؟ وهل زودناه بمهارة تخطيط الزمن او تنظيم الوقت؟ هل يعرف كيف يكسب الاصدقاء ويتعامل معهم؟ بل قبل ذلك ما هي علاقته بخالقه سبحانه وتعالى, بلغه اخرى هل يعرف كيف يعبد ربه! وهل يجود عند قراءته للقرآن الكريم؟ اسهل من ذلك هل علمناه كتابة البحث بعد استخراج المعلومات من المكتبة؟ هل يجيد خريج الثانوية العامة الخطابة بلغة عربية صحيحة؟ هذه بعض القدرات العامة التي لابد ان يمتلكها من انهى الثانوية العامة لكي ينجح في الحياة المعقدة التي تنتظره والا فإن الجهاز التربوي قد اضاع 12 سنة من حياة الانسان ونحن ندعي اننا قد زودنا الانسان بالسلاح الذي يصنع به حياته واهم تلك القدرات هي تدريب المتعلم على تقويم ذاته باستخدام ادوات التقييم والقياس المختلفة التي تعطيه صورة واضحة عن واقعه, وبهذا يستطيع ان يطور ذاته ويعد نفسه بنفسه للمستقبل, فكثير منا يرسم خططه وطموحاته بناء على تقييم خاطىء ومن ثم نصاب في حياتنا باحباطات مستمرة. السلم المتحرك: عندما تكون اهداف التعليم واضحة وتكون مخرجات التعليم قابلة للقياس بامكاننا ان نربط المرحلة الاولى من التعليم بالصف الاخير عبر سلم تربوي متحرك يصعده المتعلم في اول يوم ويصل به الى اخر مرحلة, وفي كل درجة او سلم تعليمي يقطع التلميذ شوطا نحو التخرج لقد بدل الناس الدرجات الخشبية باخرى من الطابوق والاسمنت وبعد ذلك توجهوا الى السلالم المتحركة, وهكذا ينبغي ان يكون تعلمنا وسيلة عصرية للنجاح وليس طريقا واضحا للفشل وهذا يدعونا الى امور من اهمها: 1ــ اعداد المعلم بطريقة جديدة تجعله مدربا ومشرفا وموجها للجيل القادم والامر يدفعنا الى اعادة تدريب من هم اليوم في الميدان. 2ــ الكتب الدراسية لدينا بحاجة الى تقليل الكم المعرفي فيها مما يفسح مجالا للمعلم لتدريب المتعلم على المهارات بدءا من حفظ الجمل والعبارات فالفكرة وراء الكتب المدرسية المرور بنماذج من المعرفة اللازمة لحياة المتعلم ويترك التعمق بعد ذلك لاهل الاختصاص في المرحلة الجامعية. 3ــ نحن بحاجة كذلك الى اعادة النظر في الزمن الذي يقضيه المعلم مع المتعلمين فالساعات القليلة الموزعة على مدار الاسبوع ليست مناسبة للتدريب واكساب المهارات. 4ــ واخيرا الامر يدعونا الى اعادة النظر في اساليب التقويم المستخدمة في المدارس والتي تقيس ذاكرة المتعلم وتحويلها الى آلية لمعرفة مدى اقتراب المتعلم من امتلاك المهارات اللازمة. كان ما سبق محاولة منى لشرح العلاقة بين التعليم والسلم, وكلنا امل ان نرى السلم التعليمي في دولتنا واضح النهاية بتحديث الاهداف, قوي الدرجات وذلك بمعرفة المخرجات التعليمية التي بامكاننا ان نقيمها بعد كل درجة, وبذلك نكون قد استثمرنا 12 سنة من حياة الانسان المهمة لتعينه في النجاح بقية حياته. وكيل كلية التربية