عشر سنوات مرت على النظام الدولي الجديد, ولم يفهم بعض العرب ماذا يدور من حولهم في الساحة العالمية, بل ان مظهر التصرفات السائدة في بعض الساحة العربية هو مظهر يميل الى عدم الفهم اكثر مما يميل الى التشوش أو المناورة . حملت إلينا الانباء ان الرئيس ياسر عرفات قد اعتذر للسلطات الامريكية عن سلوك بعض الفلسطينيين من حرق العلم الامريكي في غزة عاصمة السلطة, إبان الحملة العسكرية لارغام النظام العراقي على تطبيق قرارات مجلس الامن. كما حملت الينا الانباء شيئا عن اعتذار سعدون حمادي رئيس المجلس الوطني العراقي عما تفوه به عضو من اعضاء وفده في عمان ضد ما جاء في خطاب الامير الحسن في المؤتمر البرلماني العربي الاستثنائي الذي عقد في عمان أخيراً, كما حملت الينا الانباء الطلب الامريكي من دمشق للاعتذار عما حدث لسفارتها في العاصمة السورية, خاصة ان سوريا معروفة بضبط النفس. هذه الاعتذارات ما تم منها وما هو مقرر ان يتم عن ظاهرة سياسية عربية بالغة التعقيد وجب سبر أغوارها, تتلخص في عدم فهم البعض للنظام الدولي الجديد ذي القطبية الواحدة الذي اخذ في التشكل منذ عشر سنوات تقريبا والذي بدأ العالم يقبل معطياته الرئيسية. في القطبية الثانية إبان الحرب الباردة كان العرب أو غيرهم من دول العالم النامي عندما تتعرض مصالحهم مع قطب دولي للخطر يلجأون الى القطب الآخر المناقض, والذي يناصر قضاياهم ايضا في حدود مصالحه, بل كان البعض منهم يلجأ الى تلك الخطوة كمناورة للحصول على الحد الاقصى من المطالب من الطرف الآخر. هامش هذه المناورة قد تقلص الى حد بعيد, وقد تفتق الذهن عن أسلوب آخر للمناورة وهو ان يقوم (الشارع) بعمل ما لاظهار الاستياء أو ما ينم عن استياء وتقوم (الدولة) الرسمية بالاعتذار. حقيقة الامر ان الاعتذار يأتي اما تحت غطاء كثيف من الدبلوماسية او بتردد, والمثل على الحالة الاخيرة, ما قاله سعدون حمادي في عمان على سبيل الاعتذار عن مزايدة أحد اعضاء وفده, قال (هذه أول مرة أمارس فيها هذا الامر) (يقصد الاعتذار) ولو كان يوسف وهبي يعيش بيننا لقال: يا للهول, لقد اعتذر حمادي تحت وطأة مطالبة شديدة من النواب الاردنيين, وليس بسبب اعترافه بالخطأ. الاعتذارات الثلاثة يجمع بينها الملف العراقي. فقد اصبح هذا الملف يشغل مكان الصدارة في كل الدول العربية, لقد سارت مظاهرات في المغرب من قوى معارضة وغير معترف بها رسمياً تحت شعارات هذا الملف, كما قامت لأول مرة منذ زمن بعيد مظاهرات في دمشق, وحرقت الاعلام التي تم تطريزها قبل اسابيع قليلة في غزة ايضا تحت اسم هذا الملف, كل له اجندته الخاصة التي يخدمها الملف العراقي مؤقتا. والملف العراقي هو ملف كلاسيكي للفهم العربي الخاطىء للنظام الجديد, فهو من جهة فكاك مما اعتقد به سياسياً في هذه المرحلة الكثير من العرب, والقفز خارج السرب, والاعتماد على ما بقي من شعارات المرحلة السابقة في الوقت الذي اصبحت تلك المرحلة في ذمة التاريخ. المرحلة السابقة من اكبر مضامينها السياسية الاعتماد على (الاتحاد السوفييتي) وتقديم بعض الافضليات له تجاريا وسياسيا, ولكن لم يعد الاتحاد السوفييتي موجوداً ولم يعد قادراً على التأثير بما بقي, لقد لجأت روسيا الى سحب سفيريها من واشنطن ولندن ثم اعادتهما, ولم يفعل الاتحاد السوفييتي إبان صعوده العالمي ذلك, فقد كان السحب والعودة (مظهر) ضعف لا مظهر قوة. هي كذلك المظاهرات والاعتذارات مظهر ضعف لا مظهر قوة, لقد استهلك الملف العراقي البقية الباقية من قدرة (النظام) العربي إن صح التعبير, على المقاومة, وباستمراره سوف يستنزف بقية القدرة العربية إن بقي منها شيء لمقاومة اي عارض سياسي دولي, كما استنزف هذا الملف قدرات وطاقات الشعب العراقي وثروته البشرية والمادية. وحيث إن البيئة السياسية العربية بيئة صراعية, فإن الجروح الاخرى سوف تتسع وتتقيح بوجود هذا النظام, وتستخدم أزماته الدورية لتصفية حسابات سابقة عربية أو اقليمية. من مظاهر هذا العنف الذي يسببه الملف العراقي هذا التناقض الواضح بين ما تفكر فيه (الدولة) العربية, وما تسمح (لجماهيرها) بالتعبير عنه, وهو ضعف في اتخاذ موقف واضح من الملف العراقي, كما هو ضعف في فهم النظام العالمي الجديد والتفاعل معه بالجدية التي يستحقها, ومع تفاقم هذه الثنائية تتفاقم أزمة الدولة العربية بين جمهور في الغالب لايزال يفكر على نمط النظام القديم وبين دولة تعرف انه انتهى ولا تقدم من النظام الجديد إلا مظهره الخارجي. من مظاهر هذا الضعف ايضا الذي يسببه بقاء الملف العراقي مفتوحا تجرؤ بعض دول الجوار على انتهاك بل تهديد المصالح العربية, لا حاجة للقول في هذا المقام ما تقوم به اسرائيل تجاه ما تتفق عليه من معاهدات دولية, ولكن لنذكر بما قامت به تركيا في الاشهر الاخيرة تجاه سوريا, مما يفتح شهية التمدد وتوسيع النفوذ لدول عديدة لها مطامع في هذه المنطقة العربية ولها مصالح في استمرار التمزق العربي. يبدو أن هذا التمزق قد وصل الى مداه واقصى ما يمكن أن يصل إليه تحمل النظام العربي, لذلك وجدنا بعض الاصوات المهمة التي بدأت تسمي الامور بأسمائها, على رأسها الحديث الشجاع الذي أدلى به الرئيس مبارك لجريدة الاهرام في نهاية الاسبوع الماضي وقال فيه: ان النظام العراقي ضحى بمقدرات بلاده سواء في الحرب ضد إيران أو في غزو الكويت وما ترتب على هذا الغزو من ضرب المصالح الاقتصادية والاجتماعية للشعب العراقي, وقد آن الاوان لكي يتحمل النظام العراقي مسؤولية ما جره على شعبه من زيادة المعاناة. هذا الوعي العربي بأهمية اقفال الملف العراقي يستطيع العرب أن يحققوه بالانحياز لمطالب الشعب العراقي الذي قال فيه الامير الحسن في المؤتمر البرلماني العربي ما نصه: (نريد لكل أبناء العراق بغض النظر عن أصولهم ودينهم وملتهم أن يتمتعوا بالمساواة والعدل والقسطاس, هذا نهجنا في الاردن, إن ما نحرص عليه من حقوق في الاردن وما نبتغيه لأنفسنا هو ما نبتغيه لكل ابناء الشعب العربي في أقطاره المختلفة) . أنها مطالب لها علاقة وثيقة بالنظام العالمي الجديد الذي تستقبل تباشيره كل الشعوب, والقائم على تحقيق صحيح لحقوق الانسان والعدالة والمساواة, واحترام حقوق الغير والمواثيق العالمية. النظام العراقي يعيق ليس التقدم العراقي تجاه حياة افضل وأرحب, بل يعيق التقدم العربي تجاه تلك الحياة كما يقلل من فاعلية النظام العربي تجاه المثيرات السياسية الاقليمية والدولية, والمطلوب منه إن أراد العودة لمسيرة عربية وعالمية فاعلة أن يعتذر عن أفعاله, والسؤال هو إن كان سعدون حمادي يعتذر لأول مرة في حياته, فهل لدى النظام قدرة على الاعتذار؟