يشكل واقع حزب العمل الاسرائيلي بوصفه التيار المركزي لليسار الاسرائيلي, تراجعاً واضحاً منسوباً للدور الذي لعبه تاريخياً في إطار الحركة الصهيونية, ومن ثم في بناء اسرائيل. فقد احتكر حزب العمل تشكيل السلطة في اسرائيل منذ تأسيسها, حتى كسر تكتل الليكود هذا الاحتكار في العام 1977. ومنذ ذلك الوقت يتخبط الحزب في كيفية معالجة التراجع الذي يعاني منه داخل المجتمع قاد حزب العمل الحركة الصهيونية في حرب انشاء اسرائيل, والتي اسفرت عن احتلال جزء كبير من فلسطين وطرد سكانها. وقد شكلت التجمعات اليهودية قبل اعلان الدولة, واسرائيل بعد اعلانها مجتمعاً سياسياً بامتياز, حيث طغت فيه القضايا السياسية لوجودها في محيط عربي معاد, فرض على المجتمع الاسرائيلي بحكم تكوينه العدواني ان يبقى في حالة استنفار دائم, كما فرض عليه أن يتعاطى مع المتغيرات المفصلية التي شهدتها المنطقة. وقد شكل حزب العمل القوة السياسية المحورية في المجتمع الاسرائيلي حتى عام ,1967 حيث كانت حرب يونيو 1967 المتغير المفصلي الذي اعاد تشكيل الاصطفاف السياسي في اسرائيل, وفتحت الباب امام الليكود ليصل الى السلطة بعد عشر سنوات منها, كاسراً احتكار حزب العمل للسلطة منذ تأسيس اسرائيل. فاليمين الاسرائيلي اعتبر أن هذه الحرب وضعت اسرائيل الكبرى كاملة تحت السيادة الاسرائيلية. اما اليسار الاسرائيلي فقد اعتبر ان الضم يشكل خطراً على الدولة اليهودية باضافة كثافة سكانية عربية الى الأقلية العربية الموجودة في اسرائيل, مما يهدد صفاء الدولة العبرية ويجعلها دولة ثنائية القومية. رغم علمانية حزب العمل , الا ان مرتكزه الايديولوجي قام على التراث الديني اليهودي والوعد التوراتي بأرض اسرائيل, وكان الحلم السياسي لليسار الصهيوني اقامة دولة اسرائيل ديمقراطية وعلمانية غربية الثقافة. واستند هذا المشروع الى طبيعة تركيب اليسار الصهيوني الذي تشكلت قيادته وقاعدته بأغلبيتها الساحقة من اليهود الأشكناز القادمين من اوروبا, والذين شكلوا أغلبية التجمعات اليهودية في فلسطين قبل إقامة اسرائيل. وهذه السمة ماتزال قائمة في حزب العمل الى اليوم, وعكست نفسها على النخبة السياسية في اسرائيل, والتي تشكل أغلبيتها من اليهود الأشكناز. مع إقامة اسرائيل وتدفق اليهود الشرقيين الى اسرائيل, اخذت المعادلة السكانية في اسرائيل بالتحول في غير صالح الأشكناز, حيث تزايدت نسبة اليهود الشرقيين (السفارديم) وفي بداية السبعينات اصبحت تشكل أكثر من نصف السكان في اسرائيل, رغم ذلك بقيت النخبة الاشكنازية تعمل على استبعادهم من العملية السياسية, مما جعل اليهود الشرقيين يطالبون بتمثيل افضل داخل النخبة السياسية, وينتقدون بحدة السياسات التمييزية التي يمارسها ضدهم الاشكناز, ووجود اليهود الشرقيين في تكتل الليكود الملجأ لهم في الرد على السياسات التمييزية للنخبة الاشكنازية لحزب العمل, وهم يشكلون القاعدة الانتخابية الاساسية لتكتل الليكود. وقد أخذت هذه التحولات السكانية مترافقة مع حرب 1967 واستكمال احتلال (ارض اسرائيل الكبرى) حسب المفهوم الاسرائيلي بانتاج آثارها بتعديل الخارطة السياسية في اسرائيل, بصعود اليمين الاسرائيلي ممثلاً بتكتل الليكود وحلفائه, وصولاً الى طرد العمل من السلطة في العام 1977. ومنذ ذلك الوقت يقف حزب العمل في حالة دفاع عن النفس امام صعود اليمين واليمين المتطرف والأحزاب الدينية, ويشعر ان مراكزه تتضعضع, وان قوته آخذة في الانحسار داخل المجتمع الاسرائيلي, من خلال تراجع دور الكيبوتس, وتزايد قوة المتدينين. وقد اخذ الزحف اليميني والديني يصل الى القطاعات التي كانت تتشكل من الاشكناز بصورة ساحقة, مثل مؤسسة الجيش, الذي اخذت نسبة المتدينين في التزايد داخله, وهذا ما اشتكى منه رئيس الاركان السابق امنون شاحاك. وظهرت القبعات الدينية في أركان الجيش الاسرائيلي وهي مرجحة للتزايد, فقد كانت الكيبوتسات التي تشكل 3% من السكان تشكل 30% من الضباط, وهذه القوة آخذة في الانحسار مع تنام لقوى اليمين الديني داخل الجيش. كما تعمل سياسات الخصخصة داخل المجتمع الاسرائيلي التي يقودها الليكود الى اضعاف الكيبوتس والغاء السياسات الاشتراكية التي استند اليها حزب العمل تاريخياً. كما اخذت سياسات الليكود تغير في كل المراكز البيروقراطية في الدولة وحتى داخل النخبة الثقافية, واذا كان من الصحيح ان قوة اليسار مازالت كبيرة في هذه المواقع, الا ان الاتجاه العام يشير الى تراجع هذه القوة امام صعود اليمين الاسرائيلي, وهذا له أثر كبير في سياسة اليسار الصهيوني, الذي يشعر بأنه في حالة دفاع عن النفس. أدت سياسة الدفاع عن النفس التي ينتهجها حزب العمل الى ظهور الحزب بصورة مشوشة خاصة في ظل الانقسام المتصاعد بين تيار الحمائم وتيار الصقور, وظهر كحزب غارق في الصراعات الشخصية, ويفتقد الى اتجاه موحد يتعامل مع القضايا الرئيسية المطروحة عليه. وتجلت هذه الصورة بوضوح أكبر في فترة التحولات التي شهدها العالم والمنطقة في نهاية الثمانينات, لذلك دخل عقد التسعينات وهو يعاني من الارتباك, وظهر كأنه على وشك الانشقاق والتلاشي, وترافقت هذه الصورة مع لحظة الدخول مع الأطراف العربية في مفاوضات السلام. وترافقت مع دخول الأحزاب الاسرائيلية المنافسة على قيادة المجتمع الاسرائيلي. قام العديد من المحللين الاسرائيليين بالتنظير لأفول شمس حزب العمل رغم حجمه الكبير ودوره التاريخي في بناء دولة اسرائيل والمهمات التي أنجزها منذ تولي القيادة في اسرائيل العام 1948 بإعلان دولة اسرائيل وإرساء أسسها, ونظر المحللون الى انتهاء هذا الدور مع انتهائه من إنجاز هذه المهام. تكرر مشهد الصراع داخل حزب العمل مع صعود أيهود باراك الى زعامة الحزب, حيث جر الحزب الى مواقف متقاربة مع الليكود, وألغى الى حد بعيد التمايز السياسي داخل الساحة السياسية الاسرائيلية بين الحزبين مستكملاً ما بدأه بيريز. ظهر ذلك واضحاً في الحملة الانتخابية الأخيرة للحزبين, فقد تبنى شمعون بيريز المحسوب على التيار الحمائمي شعارات تكاد تتطابق مع شعارات نتانياهو. وفي اطار المفاوضات مع الفلسطينيين, فان الموقف من قضايا الحل النهائي لا يختلف عن موقف الليكود, وما أطلق عليه اسم وثيقة ايتان ـ بيلين أظهرت ذلك بوضوح, وما اسقاط حزب العمل لمعارضة قيام الدولة الفلسطينية سوى تغيير في الشكل, لأن مواصفات الدولة التي يتحدث عنها حزب العمل, لا تختلف عن مواصفات الحكم الذاتي الموسع الذي يطرحه الليكود. وفي ظل هذه السياسات المتقاربة مع اليمين, مع الأخذ بعين الاعتبار تطرف الشارع الاسرائيلي, فان منافسة حزب العمل والقوى اليسارية المتحالفة معه لتكتل الليكود وقوى اليمين المتحالفة معه, هي منافسة مقدر لها أن تكون لصالح الليكود, وبقاء حزب العمل متخبطاً في ارتباكه. كاتبة فلسطينية