مع انقضاء مهلة تسجيل الأسماء والترشيح رسميا من جانب المواطنين لطلب العضوية في مجالس الشورى الإسلامية المحلية (المجالس البلدية) خلال الساعات القليلة المقبلة يكون نحو مليون شخص أو يزيد قد قرروا خوض واحد من أكثر النزالات شعبية وديمقراطية منذ العام 1979 في ايران. تحت شعار مركزي رفعه الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي منذ توليه الرئاسة مفاده ان للحكومة حدودا وللشعب حقوقا ينتظر الايرانيون بكل فئاتهم وانتماءاتهم خوض تجربة ديمقراطية جديدة هي الأولى من نوعها في تاريخ ايران وفي اطار تفعيل بند ظل مجمدا من بنود الدستور الذي أقر بعد أقل من ستة أشهر من قيام الثورة بضرورة توزيع السلطات ونقلها إلى الشعب بشكل انتخابي ودستوري ليصبح هو الحاكم وصاحب حق تقرير مصيره بنفسه. وبينما ينتظر ان يتصاعد السجال ويسخن بين القوى والأحزاب والتنظيمات والتيارات السياسية حول شكل ومضمون النظارة أو الاشراف المكلفة بهما كل من وزارة الداخلية ومجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) على سير الانتخابات ومدى حجم الاختزال الذي سيطال المرشحين, فإن جمهور الرأي العام ستظل عيونه شاخصة بالأساس نحو صناديق الاقتراع ومدى قدرتها على افراز سلطة شعبية جديدة توفر للناس مزيدا من العدالة الاجتماعية وقدرا أكبر من التعدديات القادرة على الموازنة بين حدود الحكومة وحقوق الشعب. وطبقا لقانون انتخابات المجالس المحلية فإن نحو 200 ألف عضو مجلس بلدي سيتم انتخابهم حيث سيقومون من ضمن ما سيقومون به من مهام بانتخاب 720 رئيس بلدية أو عمدة محلي للمدينة أو القرية وهو ما سيصبح أشبه ببرلمان شعبي جديد من بين مهامه العديدة النظارة على عمل السلطات المحلية ومساءلتها وقبل كل ذلك وبعده المشاركة والمساهمة في التخطيط والادارة في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمدن والقرى وتحسين الخدمات فيها بما يتناسب وحاجات الناس ومتطلباتهم اليومية. المحللون السياسيون المتتبعون لحركة التحولات التي تشهدها البلاد منذ تسلم الرئيس محمد خاتمي الرئاسة يرون خطوة انتخابات المجالس البلدية بأنها الحركة الأهم في اطار تطبيق شعاره المركزي المتمثل بضرورة قيام مؤسسات المجتمع المدني الإسلامي. من هنا تأتي أهمية خطوة الإعلان عن قيام الائتلاف الكبير بين 16 تنظيما من تنظيمات تكتل الاصلاح والتغيير التي تبلورت غداة ما بات يعرف بملحمة (2 فرداد أو 23 مايو) الرئاسية. حيث تتصدر هذه التنظيمات أحزاب اليسار التقليدي المعروف بتجمع رجال الدين المناضلين (روحانيون) وكوادر البناء والإعمار (كاركزاران) ومنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية (جماعة عصر ما) وجبهة المشاركة الاسلامية الحديثة الولادة (مراكز الحملات الانتخابية الخاتمية للرئاسة) بالاضافة إلى تنظيم الحركة الطلابية الشهير المعروف بـ (تعزيز الوحدة). العارفون بخفايا اللعبة السياسية وموازين القوى الحاكمة في التحالفات الداخلية الايرانية يرون في هذا الإعلان المبكر للتحالف العريض بمثابة رسالة مفتوحة إلى كل من يهمه الأمر وتحديدا إلى الراديكاليين من قوى اليمين المحافظ من جهة والخارجين على التحالفات التقليدية من قوى المعارضة الليبرالية المتناثرة, بأن جبهة 2فرداد التي أفردت الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي لا تزال متماسكة وقادرة على خوض أول تجربة ديمقراطية في عهدها تتم اناطة مهمتها إليها بشكل رئيسي من خلال قناة وزارة الداخلية على أحسن وجه ممكن. ثمة من يذهب من المحللين السياسيين إلى أبعد من ذلك حيث يقرأ الخطوة الاعلانية المبكرة بأنها رسالة مفتوحة إلى قيادات البلاد الأساسية وفي طليعتها مرشد الثورة الإسلامية آية الله على خامنئي والرئيس محمد خاتمي والرئيس السابق هاشمي رفسنجاني مفادها بأن الوحدة الوطنية والوفاق القومي الذي ينادون به إنما يتمثل في هذه الجبهة العريضة من الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة في البلاد, وان ماعداها لا يملك سوى ان يلتحق ويواكب هذه الجبهة ويقر لها بقيادات الحركة السياسية في العهد الإصلاحي الجديد. ويعزو هؤلاء المحللون تصورهم ذلك إلى حصول سجالات عديدة ونشر تحليلات كثيرة في الآونة الأخيرة صدرت من جانب تكتل اليمين المحافظ من جهة ومن جانب القوى الليبرالية المتناثرة من جهة أخرى مفادها بأن تكتل الاصلاح والتغيير قد وصل إلى طريق مسدود في الادارة وان البلاد مرشحة إلى الفوضى والاضطراب والانفلات الأمني في ظل استمرار النهج الاصلاحي الخاتمي! المحللون السياسيون من جماعة المجتمع المدني الجديد اذ يتفاءلون بالتجربة الديمقراطية الجديدة رغم العراقيل العديدة التي يحاول المتطرفون من التقليديين وتكتل اليمين المحافظ كما يسمونهم وضعها امام قيام انتخابات حرة ونزيهة وسليمة يقولون بان هذا اليمين المحافظ الذي ضاق ذرعا بكرباستشي واحد في العاصمة طهران والذي اراد محاكمته (محاكمة سياسية موجهة) ــ حسب قولهم ــ عليه ان يتعامل منذ الآن فصاعدا مع 720 كرباستشي جديدا منتشرين في كل انحاء البلاد وموزعين على طبقات الشعب المختلفة. لكن اليمين المحافظ الذي استعد من جهته ايضا لهذه التجربة الجديدة مسلحا بلجان النظارة البرلمانية التي يحظى بالاغلبية فيها يعتقد وان ليس جازما بان المخاض الجديد من شأنه ان يكشف الكثير من الحقائق الجديدة في اوساط الرأي العام بما يدعم مقولة المحافظين الرئيسية التي تحذر من احتمالات تخبط الوطن في فوضى الليبرالية التي يزعم المحافظون ان تكتل الاصلاح والتغيير يقود البلاد اليها في ظل شعاراته المهلهلة والفضفاضة والتي تفتقر قبل كل شيء برأيهم ــ الى قيود وحصانات مثل العدالة الاجتماعية والقيم الثورية والدينية. وفي هذا السياق قد يضطر المحافظون الى اعادة تفعيل اسلوب استدعاء الوزراء المختلفين الى البرلمان لمحاكمة سياساتهم الاصلاحية كما انهم قد يفتحون النار مجددا على الصحافة وبالذات صحافة الاصلاح بهدف التأثير على جمهور المناصرين والمؤيدين بعد وصول اساليب العرقلة والمحاكمات المتتالية الى طريق مسدود كما تقول المصادر المقربة من جبهة المشاركة الحديثة الولادة. لا احد يعرف بالطبع الى ماذا ستؤول نتائج انتخابات المجالس البلدية المرتقبة في الـ 26 من فبراير المقبل ومن المبكر القول بان الحسم سيكون لصالح اي من التنظيمات الحزبية سواء تلك المنضوية تحت تكتل الاصلاح والتغيير او التابعة لجبهة المحافظين, لكن الاهم من كل ذلك كما يعتقد المحللون السياسيون من جماعة المجتمع المدني الجديد بان نسبة لا بأس بها من الفائزين المحتملين في هذه الانتخابات سيكونون اصلاحيين من لون جديد, اي ان الوجوه التي ستفوز هذه المرة لاسيما في المحافظات والقرى والارياف ستكون في الغالب وجوه شبابية ونسائية لديها تطلعات اجتماعية وتنموية جديدة حتى وان كانت منتمية الى الاحزاب التقليدية او ان تلك الاحزاب هي التي رشحتها لخوض المعركة الانتخابية. وهذا هو ما يراهن عليه الوسطيون في تحالف الاصلاح والتغيير من التنظيمات المختلفة وكذلك الرئيس محمد خاتمي الذي يبدى مع كل يوم يمر تململا واضحا من التصنيفات التقليدية للقوى والاحزاب فيما تراه يتوق لقيام مؤسسات مجتمع مدني حقيقي هي القادرة وحدها برأيه الى جانب التعدديات الحزبية والسياسية بالطبع من ترجمة شعاراته الاساسية المتمثلة بقيام دولة القانون والمؤسسات والمجتمع المدني المتسامح والمتساهل والمتعدد الاصوات والالوان ليمكنه كل ذلك من خوض تجربة حوار الحضارات والثقافات الموعود بصدقية داخلية معتبرة. انه خلاف جدي في وجهات النظر واصطفاف يزداد شفافية بين الاحزاب والتنظيمات والتجمعات بين التواقين للاصلاح والتغيير من داخل النظام ومن رجل النظام السياسي الاسلامي المدني المعاصر, وبين المتهيبين والخائفين من رياح التغيير حرصا على نظام سياسي اسلامي يظنونه الكفيل لوحدة بتحصين الذات من الخروقات والتغلغلات لالتصاقه بالفقه التقليدي الاصيل. وميدان الاختبار الجديد هو المجالس البلدية أو مجالس الشورى المحلية الاسلامية.