هانحن قد بدأنا عام الوداع لقرن حافل في تاريخنا وتاريخ البشرية. شهد فيه العالم أعظم الانجازات وأبشع الحروب, ثم هاهو ينتهي والعالم يستعد لمرحلة جديدة من الانجاز البشري في مختلف الميادين, ومع ذلك فهو يجتاز أزمة طاحنة, ويقف على مفترق طرق, بعد أن أثبت ما أسموه بالنظام العالمي الجديد فشلا ذريعا في قيادة العالم في هذه المرحلة الحاسمة, وأدرك الجميع عمق الهوة التي يمكن أن يساق اليها العالم في ظل سيطرة الدول المتقدمة على العالم وفرض ما تريده عليه ليزداد الاغنياء ثراء, ويزداد الفقراء وهم ــ الاغلبية الساحقة ــ فقرا على فقرهم. ووسط هذا كله يبدو العرب في أسوأ حالتهم.. ممزقوين, مشتتين, مهددين بأن يكونوا على هامش التاريخ في أحسن الاحوال, وخارج التاريخ تماما اذا استمروا في مسيرة الضياع التي أهدرنا فيها كل فرص التقدم, والوحدة, حتى انتهينا الى ما نحن فيه الآن. وعلى مدى سنوات التدهور, كنت أتذكر ما رواه لنا الاستاذ محمد حسنين هيكل ذات يوم, ونحن نسأل نفس السؤال الذي يجتاحنا كلما حلت بالعالم العربي كارثة من الكوارث.. وماذا بعد؟! روى لنا الاستاذ هيكل عن مصطفى النحاس باشا الزعيم المصري الراحل الذي قاد كفاح شعب مصر سنوات طويلة قبل ثورة يوليو 1952. كان النحاس هو زعيم الامة ورئيس حزب الأغلبية, ومع ذلك فقد كان في معظم الاحيان مبعدا عن الحكم بأوامر الانجليز او الملك, لتجيء للحكم وزارات من أحزاب الاقلية التي لا تثق بالشعب ولا يثق الشعب بها, وتستمد سلطتها ووجودها من القصر الملكي او السفارة البريطانية. وكانت هذه الوزارات ترتكب الخطايا فيذهب الناس الى زعيمهم النحاس باشا يسألونه فلا يجيب الا بكلمة واحدة. ــ و.. لسه!! أي ان القضية لم تنته, وهناك المزيد من الاخطاء والخطايا والقرارات الضارة بالأمة ستصدر من هذه الحكومات قبل أن ترحل. وهكذا ــ وبنفس المقياس ــ كان علينا ان نشهد الكوارث ونتابع الاخطاء, ثم نقول ما قاله النحاس قبل خمسين أو ستين عاما: ــ و.. لسه!! ثم ننتظر المزيد من الخطايا, التي ندفع نحن ثمنها, وسندفعه الى زمن طويل. والآن.. ونحن نستقبل عام وداع القرن العشرين نسأل أنفسنا: هل مازال هناك من مزيد تتحمله الأمة العربية, أم ان الطريق قد وصل الى نهايته؟ وهل يمكن ان يكون العام الجديد عام مراجعة للنفس وايقاف للتدهور وبداية للعمل الجاد للخروج من النفق المظلم الذي نساق اليه.. أم أنه مكتوب علينا ان ندخل القرن المقبل ــ ان سمحوا لنا بالدخول ــ من الأبواب الخلفية لنبقى أمة على الهامش الى الأبد؟ نعرف أن مشاعر الأسى على ما يحدث في أرجاء الوطن العربي قد لا تسمح بأي تصور ايجابي للمستقبل, ولكننا لا نملك ترف ان نفقد الأمل وأن ننتظر مصيرنا الذي يصنعه الآخرون. ثم ان الصورة رغم سوادها لا تخلو من نقط ضياء تشع بنورها.. رغم كل شيء وفوق الأسى والاحزان. هناك ــ أولا ــ بوادر الصحوة في الشارع العربي الذي ارتفع صوته بعد طول صمت, وبعد أن حسب الكثيرون انه فقد أي قدرة على التحرك وتحول الى متفرج على الأحداث بعد أن كان صانعا أساسيا لها لسنوات طويلة. وعندما يتحدث دبلوماسي هادىء ومتحفظ مثل الدكتور عصمت عبد المجيد أمين الجامعة العربية عن هذه الظاهرة فيقرر أن تحرك الشارع كان الانعكاس الحقيقي للنبض العربي, ويطالب الحكومات العربية بأن تترجم هذا الشعور الى تحرك رسمي, فإن ذلك يعني أن الظاهرة قد استوقفت الجميع, وأن الرهان عليها ممكن.. بل وضروري. وهناك ــ ثانيا ــ عودة الوعي بجميع المخاطر بعد أن طالت الأزمة أعناق الجميع, قد تختلف السبل, وقد تتباين التوجهات, ولكن الجميع يدركون الآن فشل محاولات الانقاذ الفردية, ويبحثون عن طريق لوقف التدهور وإنقاذ الموقف. وهناك ــ ثالثا ــ عودة الثوابت العربية الى الوعي العام, بعد أن فشلت كل محاولات القفز عليها شرقا أو غربا. وبعد أن أثبتت التجربة كم كلفنا الخروج على هذه الثوابت. الأمن العربي لم يتحقق على أيدي الآخرين, والاقتصاد العربي لم يعد له من طريق للنجاة الا بالعمل العربي المشترك, والذين كانوا يتحدثون على مدى السنوات القليلة الماضية عن (خرافة) القومية العربية.. هم الذين يتحدثون الآن عن ضرورة العمل العربي. والذين كانوا يبشروننا بأن الخير سيأتي في ظل شرق أوسطية تسيطر عليها اسرائيل اختفوا من الساحة. والذين خرجوا عن الصف العربي ــ بالحماقة أو المغامرة أو المؤامرة ــ يدركون الآن حجم خطيئتهم, والذين تواروا يوم كانت دول عربية تواجه وحدها الارهاب او الضغوط الاقتصادية او شبح الحروب الأهلية.. يدركون الآن ان العرب جميعا مستهدفون ومعرضون لنفس المخاطر او ما هو أفدح. ومع كل هذه العوامل, يبدو النظام العربي في قمة أزمته.. وتكشف الاحداث يوما بعد آخر عن عجزه عن التعامل مع كل قضايا الأمة. ولعل الفشل الأخير في عقد القمة العربية ــ ومهما كانت المبررات ــ يجسد أزمة النظام العربي, حيث تترك فيه الجماهير حائرة تسأل: اذا لم يكن هذا موعدا للقمة.. فمتى تجتمع؟ ولن يكون هذا هو السؤال الوحيد المطروح علينا في عام وداع القرن العشرين, فما أكثر الاسئلة التي لابد من طرحها والحصول على اجابة لها اذا أردنا للأمة ان تجتاز الأزمة وأن تتفادى الوصول الى حد الكارثة وهي تدخل قرنا جديدا حافلا بالآمال الكبرى والمخاطر العظيمة. لابد من سؤال أساسي: كيف وصلنا الى ما نحن فيه وكيف رضينا به؟ ثم كيف نتجاوزه الى بداية جديدة تتفادى العثرات, وتسير الى الهدف بطريق مستقيم؟ ومن السؤال الأساسي تتفرع الاسئلة.. كيف بددنا كل الفرص التي أتيحت لنا؟ وكيف تعاملنا باستخفاف مع هذه الفرص, وتصرفنا وكأن الفرص التاريخية تأتي للشعوب في كل يوم وتتسكع على أبوابها في انتظار السماح لها بالدخول, ولم ندرك ان الفرص التاريخية نادرة واذا مرت فلن تعود, واذا فقدناها فان الثمن الذي ندفعه لابد ان يكون غاليا؟ ثم.. كيف ندور حول انفسنا وكأننا نلهو مع التاريخ ولا نتعلم منه؟ ولماذا نجد أنفسنا في نهاية القرن نكرر نفس الاسئلة التي واجهتنا في بدايته, ونعود لنختلف حول قضايا تم حسمها من زمن طويل؟ لماذا ونحن في نهاية قرن كان المفروض ان يكون قرن النهوض العربي نبدو على هذا الحال من التشتت والتمزق؟ ولماذا تبدو الاحلام العربية أبعد مما كانت قبل سنوات؟ لماذا فشلنا في استثمار كل الامكانيات التي اتيحت لنا لنبي الوطن الذي نريده؟ ولماذا ينجح الآخرون حيث نفشل, وندفع ثمن الفشل ثم لا نحاول تخطيه؟ لماذا ننظر الى ما فعلته أوروبا في بناء وحدتها وكأنه معجزة لا ينبغي لنا التفكير في مثيل لها, فقد فكرنا من قبل, وكانت النتيجة هذه الجامعة العربية التي تحولت الى نصب تذكاري؟ هل أصابنا العقم فلم نعد قادرين على الابداع الحقيقي او الاجتهاد في تقديم الفكر العربي القادر على معانقة المستقبل, فلم يعد لدينا ما نقتات به فكريا الا حكايات الأولين, ولم يعد أمامنا الا التسول على موائد الآخرين.. نأخذ ما يريدون لنا فقط أن نأخذه, وبما يحقق مصالحهم وحدها؟ مئات الاسئلة تحاصرنا, ولابد أن نمضي في رحلة شاقة للبحث عن اجابة لها, ولابد أن تكون الاجابات حصيلة حوار قومي نتبادل فيه الافكار لا طلقات الرصاص. مئات الاسئلة تحاصرنا, ولا ينبغي ان تخيفنا, فهي علامة حيوية اذا اقتربنا منها بصدق وجدية, وهي بداية الخروج من الأزمة اذا انطلقنا بعدها الى السؤال الكبير: هل نحن أمة تريد الحياة وقادرة على صنع المستقبل؟ وهل نحن قادرون على محاسبة أنفسنا قبل محاسبة الغير؟ هل نملك ان نعترف بالخطأ, ونتجاوز العثرات, ونفتح أبواب المصالحة مع النفس والآخرين؟ انها الاسئلة الصعبة في بداية عام جديد هو الفارق بين قرنين, والاجابة صعبة ولكنها ستحدد لنا أين سيكون مكاننا في هذا العالم المقبل على تغييرات كبرى.. والذي لن يكون فيه مكان الا للأقوياء الذين يتقنون اللعبة ولا يكتفون بالجلوس في مقاعد المتفرجين.. يتبادلون الاتهامات, ويتركون معارك المستقبل ليحاربوا معارك الجاهلية الاولى.