يأتي 31 ديسمبر من كل عام مباغتا احيانا, ولذلك يرتجل الناس امنياتهم في الساعة الثانية عشرة من آخر مساء في العام, في هذا المساء تملأ الامنيات فضاء المكان, ربما تمر على القلب, وربما تمسه قليلا . لكنها بالتأكيد لا تنهمر جميعها منه, وان كنا جميعا نظن بأن امنياتنا صدى لذلك الذي يجلجل في الداخل. تلك العجوز الموسكوفية البائسة التي استقبلت عامها الجديد وهي تفترش اسفلت الشارع, في قلب العاصمة موسكو وفي طقس شتائي قارس لا يطاق, هذه العجوز لاشك بأنها تلقت من بائس أو بائسة أخرى تهنئة من شاكلة: اتمنى لك عاما جديدا سعيدا, ولاشك بأنها ردت بتهنئة مشابهة, فهل هذه الاقامة الجبرية في مكان مشرع على الجليد, والخوف وكل الوجوه واللا أمان, سعادة من نوع آخر يا ترى؟ هذا ما فكرت فيه وانا اطالع صورة هذه العجوز التي نشرتها بعض صحفنا نهار امس السبت. في الحقيقة ان هذه العجوز الروسية التي تنتظر الغوث من ايادي المارة يقذفون به من خلال قطع نقدية في اناء تضعه امامها, هذه المرأة تمثل في حالتها النهائية انكسار الانسان في اقوى صوره فليس اقسى من هذه النهاية, لانسان كان ذات يوم مليئا بالاحلام والامنيات, وفجأة يكتشف ان الشارع قد اصبح بديلا آخر لاحلامه, أو ان احلامه قد انتهت به متسولا منبوذا, اكبر امنياته رغيف خبز ومأوى لا تتجمد فيه اطرافه من البرد, انظر, بماذا يحلم الانسان في نهاية المطاف؟ ولأي شيء يصارع؟ رغيف, ومأوى, وجرعة ماء! هذه العجوز, هي انسان تتكرر حالته أمام اعيننا كل يوم, لا يهم ما اسمه, وما جنسه ومن اي بلاد الدنيا جاء؟ هو انسان في نهاية المطاف, كان لديه حلم كبير, تعب لاجله, وعانى ورأى الشقاء الوانا, ومع ذلك ظل الحلم يورق ويزهر في كل موسم, حتى انتهت المواسم, وذبل الفل, وبقيت اطلال رائحة لا اكثر. هذا الانسان تراه في تلك العجوز التي تمد يدها متسولة امام أحد البنوك, ففي كل صباح تأخذني الضرورة إلى ذلك المصرف امسح بعيني المكان لاجدها منزوية لا تكاد ترى, طيف امرأة امتص الزمان عافيتها واحلامها, ولا ادري هل تتصنع الحاجة, ام هي محتاجة فعلا, لكنني لسبب او لآخر لا احاول ان اضع في يدها شيئا, وبالتأكيد فليس البخل أو عدم التعاطف أحد هذه الاسباب. افكر احيانا بأن هذه المتسولة ما كان لها ان تتسول في بلاد ما عاد من حقنا ان نفاخر بأنها اغنى بلاد النفط بقدر ما صار من حق الاخرين ان يعيروننا بهذا القدر, بعد ان اغدقنا العطاء, وبعد ان شرب الاخرون من هذا النفط حتى الثمالة. افكر احيانا بأن كسرا مضاعفا سوف اضيفه إلى ذلك الحلم القديم, واتخيل نفسي, وقد قايضت حلمي بدراهم تعيسه لان الحياة قد اضطرتني لذلك, فأبتعد عنها سريعا لان ذلك الخاطر شكل آخر لنهاية العالم أو الخاتمة المرعبة حين يدمن الانسان التسول وينسى الحلم الجميل الذي عاش لاجله طويلا. افكر احيانا بأن هذه العجوز ربما جلست بهذا الانكشاف ليس للمال تحديدا, وانما لتبلغ مجتمعا بأكمله ــ يحسد على الغنى والنعيم ــ رسالة غاية في القسوة لا تقل عن رسالة العجوز الموسكوفية.