قصة موت موظف واحدة من اشهر قصص الكاتب الروسي العظيم: (انطون تيشخوف) وخلاصتها ان (تشرفياكوف افندي) وهو موظف بالحكومة كان يشاهد احدى (المسرحيات حين عطس فجأة فأصاب الرذاذ قفا الجنرال بريزجالوف الذي كان يجلس امامه . ومع ان الجنرال تجاهل الامر فلم يلتفت خلفه واكتفى بأن مسح قفاه بقفازه ومع ان (تشرفيا كوف) كان يحلم ان هذا من امور الطبيعة وان الجميع من الفلاحين حتى المخبرين السريين يعطسون, فقد اصر على ان يعتذر للجنرال الذي تلقى اعتذاره بتأفف لانه لفت انظار الجالسين حولهما الى الكارثة التي وقعت لقفا سعادته. لكنه تشرفياكوف افندي فهم خطأ ان تأفف الجنرال يعود الى انه لم يعب عن اسفه. لكن تشرفياكوف افندي فهم خطأ ان تأفف الجنرال يعود الى انه لم يعبر عن اسفه بشكل كاف فظل يطارد الجنرال خلال الاستراحات بين الفصول ثم في كل مكان يذهب اليه ليكرر الاسف مؤكدا له امام من يجلسون معه او يحيطون به انه لم يقصد انه يعطس في قفا سعادته وان المسألة من مسائل الطبيعة لا اكثر ولا اقل! وفي كل مرة كان الجنرال يتأفف لان مزيدا من الناس الذين لم يشاهدوا قفاه وهو يتلقى العطسة قد اصبحوا يعرفون ما جرى له وكان تشرفياكوف افندي يخطىء الفهم فيواصل المطاردة ويكرر الاسف ظنا منه ان الجنرال يرفض اعتذاره فلم يعد لدى الجنرال شك في انه يسخر منه ويتعمد التشهير بقفاه فطرده من مكتبه شر طرده وأتعس ذلك تشرفياكوف افندي جدا فما كاد يصل الى منزله حتى استلقى على الكنبة دون ان يخلع ملابسه... ومات! اما لماذا تذكرت هذه القصة الجميلة التي لا تزال حية في الذاكرة الى الآن على الرغم من انها كتبت عام 1883 فلأن جريدة التلجراف البريطانية في جردها لابرز احداث العام الذي انقضى اقد تنبهت الى ان عام 1883 هو عام الاسف العظيم ورصدت ان عشرات من المسؤولين في دول العالم تحت وطأة الاحساس بأن القرن العشرين يوشك على الرحيل قد اندفعوا يعتذرون عما ارتكبوه وارتكبه اسلافهم من اخطاء في حق الاخرين خلال تلك السنة (وخلال ذلك القرن) . ولان الناس حتى في الاسف مقامات فإن الرئيس الامريكي بيل كلينتون يقف على رأس قائمة المعتذرين باعتباره رئيس الدنيا والزعيم الاوحد للنظام العالمي الجديد فتوالت اعتذاراته لزوجته ولابنته وللشعب الامريكي ولمونيكا لوينسكي بسبب الاعمال غير اللائقة اياها التي كان يقوم بها في المكتب البيضاوي والتي لا داعي لاعادة التذكير بها لانها من مبطلات الصيام. ومن الانصاف للرئيس الامريكي ان نعترف بان قائمة اعتذاراته لم تقتصر على الاعمال غير اللائقة من نوع مونيكا لوينسكي فقد اعتذر كذلك بالنيابة عن بني جنسه من البيض بسبب العمل غير اللائق الذي قاموا به حين استعبدوا السود لمدة ثلاثة قرون وتواطأوا مع النظام العنصري في جنوب افريقيا ضدهم وصمتوا على مذابح رواندا وهو ما جعلني اقتنع بوجهة نظر صديقي حتى انني فكرت في ان اكتب لعظمة النظام العالمي الجديد نيابة عن بني جنسي من الملونين ابدى استعدادنا لان نعتذر ثلاثمائة مرة مقابل ان نستعبد البيض وخاصة من ماركة مونيكا لوينسكي لمدة يوم واحد! وتطبيقا لقانون المقامات العليا ذات نفسه فقد كانت اسرائيل باعتبارها الطفل المدلل للنظام العالمي الجديد هي الدولة رقم واحد في قائمة الذين تلقوا اعتذارات عام الاسف فقد اعتذر لها الرئيس شيراك و(سويسرا) و(المانيا) و(الفاتيكان) لعدم وقوفهم بقوة في مواجهة ما قام به النازيون ضد اليهود ولانهم لم يتصدوا بحسم لتيار معاداة السامية فضلا عن انها الدولة الوحيدة التي تصلها الاعتذارات على ورق بنكنوت على صورة ماركات ودولارات وفرنكان وترسل اليها في صفائح جديدة على صورة صواريخ وطائرات ومفاعلات نووية, كما كانت الدولة الاخيرة في قائمة الذين عبروا عن اسفهم لما قاموا به من اعمال غير لائقة اقتصرت على اعتذارين احدهما للاردن بسبب محاولة اغتيال خالد مشعل والثاني لسويسرا بسبب محاولة اغتيال رجل اعمال سويسري من اصل عربي بنفس الطريقة! وكما هي العادة فإن نصيب العرب من القائمة الرسمية لعام الاسف لم يزد عن نصيبهم في هذا العالم الظالم ولم يرتفع عن مكانتهم على خريطة النظام العالمي الجديد اذ اقتصر ما قدموه من اعتذارات على اعتذار واحد قدمه الرئيس اللبناني السابق الياس الهراوي لصحفي كان قد صفعه على وجهه بسبب انتقاده المستمر له واقتصر ما وصل اليهم من اعتذارات على اعتذار واحد قدمه البنتاجون بسبب عبارة (هدية رمضان) التي كتبها بعض الجنود الامريكيين على صواريخ توماهوك التي تلقاها العراق اخيرا من البيت الابيض و10 داوننج ستريت لكي يتسحر بها العراقيون في الشهر الكريم. والحقيقة انني شعرت باسف بالغ لان امتنا العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة تخرج دائما من المولد بلا حمص وتحتل دائما ذيل القائمة سواء كانت قائمة الدول المشاركة في مباريات كأس العالم لكرة القدم , او كانت قائمة مباريات كأس العالم في ابداء الاسف وتبادل الندم وطلب المغفرة لكن هذا الصديق من اصدقائي الاشرار لفت نظري الى ان الجريدة التي اعدت قائمة عام الاسف معروفة بميولها الصهيونية وانها من النوع الذي يسير على قاعدة الكيل بمكيالين والوزن بميزانين ويؤمن بأن اسرائيل تكيل بالزبرجد والمرجان بينما يكيل العرب بالباذنجان وان هذا هو السبب في انها تعمدت ان تغفل كثيرا من الوقائع التي كان يمكن ان ترفع من رصيد التأسف العربي وتتقدم مكانة الامة في قائمة عام الاسف. فقد اعلن العقيد معمر القذافي اسفه البالغ لانه امضى ثلاثين عاما من عمره يدعو للقومية العربية وللوحدة العربية ويساعد اشقاءه العرب فلما وقع تحت الحصار باقرار من سعادة النظام العالمي الجديد تأسف العرب لانهم لا يستطيعون مخالفة قرار الشرعية الدولية ولا يقدرون على كسر هذا الحصار من طرف واحد بينما فعل ذلك الافارقة فقرر القذافي اسفا ان يدير ظهره للعروبة, وان يتجه نحو افريقيا التي ملكت دولها شجاعة كسر الحصار ولولا حكاية التكييل بالباذنجان لنظرت الجريدة إلى هذا الاسف الذي صدر عن الرجل الذي ظل يفخر طوال ثلاثين عاما بأنه امين القومية العربية بما يستحقه من اهتمام ولمنحت الأمة مقابلا له عشرة ابناط كان يمكن ان تؤهلها للوصول الى دور الثمانينات في دوري كرة الاسف لعام 1998. واعلن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في خطبة القاها في رام الله في اعقاب عودته من واي بلانتيشن ان على اسرائيل ان تدفع كل استحقاقات اوسلو قبل منتصف عام 1999 وإلا فإن البندقية الفلسطينية جاهزة لفرض سلام الشجعان شاء من شاء وابى من ابى ثم اعتذر في اليوم التالي عن تصريحه قائلا انه بحث عن البندقية التي كان قد تركها في الدولاب قبل سفره الى واي بلانتيشن فلم يجدها ولكنه وجد الكوفية, التي ستكون جاهزة في الموعد المحدد لفرض سلام الشجعان شاء من شاء وابى من أبى. ولو كانت قائمة عام الاسف صحيحة, لما تجاهلت هذا الاسف الكبير والذي يستحق عشرين بنطا كان يمكن ان تؤهل الامة للوصول الى دور الاربعات, ليتلألأ نجمها في سماء المونديال وتستحق مكانتها على خريطة النظام العالمي المؤسف خاصة وانه صدر عن الرجل الذي ظل ثلاثين عاما يقود النضال من اجل تحرير فلسطين من البحر الى النهر قبل ان تقع منه البندقية للاسف في نهر الواي. ولماذا نذهب بعيدا وقد اعلن النظام العربي ــ قبل اسابيع من نهاية العام ــ اسفه البالغ بسبب عملية ثعلب الصحراء واعلنت الشعوب العربية كذلك اسفها البالغ لموقف النظام العربي, ولكن هذه الكمية الرهيبة من الاسف التي تصل الى 00_ مليون متأسف عربي, لم تقيد لحساب الامة, ولم يرد لها ذكر في الحساب الختامي الذي صدر عن عام الاسف! بل ان الامة العربية لم تقصر في تنمية مواردها من الاسف حتى بعد صدور القائمة واعلان ميزانية عام الاسف فتأسفت عن عقد القمة العربية الطارئة لبحث اوضاع الامة ولمحاولة الخروج من الحالة المؤسفة التي تمر بها وهو ما يؤكد مدى عراقتها في موضوع الاسف ويثبت الحقيقة التاريخية التي تقول بأن العرب اذا كانوا ينقسمون من حيث الاصل الى عرب عاربة وعرب مستعربة فانهم يتوحدون من حيث السياسة باعتبارهم عربا متأسفة. وما يؤسفني حقا هو ان موعد انعقاد القمة العربية قد تأجل لان بعض العرب يرفضون ان يتأسفوا لعرب آخرين قد اخطأوا في حقهم ولان هؤلاء العرب الآخرين لا يبدون استعدادا لقبول هذا الاسف مع ان ذلك كان كفيلا بأن يرفع من مكانتنا ولو اننا مارسنا فضيلة الاسف عما نقع فيه من اخطاء لكان باستطاعتنا ان نحتل المرتبة الاولى بين دول العالم في عام الاسف, وان نشغل المكانة التي تليق بأمتنا في النظام المتأسف الجديد بل وربما وصلنا الي قمته وانتهى الينا مقود زعامته فتتاح لنا الفرصة للقيام بتلك الاعمال غير اللائقة التي اعتذر عنها رئيس الدنيا. تصوروا مثلا ان النظام العربي قد اعتذر بالاصالة عن نفسه وبالنيابة عن اسلافه عما ارتكبه من اخطاء في حق شعوبه بما في ذلك ما اضاعه من فرص وما بدده من امكانيات وما قام به من مغامرات, وما اهدره من حريات وما هضمه من حقوق وما زوره من حقائق وما كذب فيه من تصريحات وما تسبب فيه من هزائم ونكبات ونكسات وما اساله من دماء وما اغتاله من احلام وطموحات. تصوروا مثلا ان الشعب العربي قد اعتذر بالاصالة عن نفسه وبالنيابة عن اسلافه عما ارتكبه وارتكبوه في حق انفسهم وفي حق امتهم وفي حق الاجيال القادمة عن صبرهم غير المبرر على الطغيان والفساد وصمتهم غير المفهوم على الباطل ومداهنتهم له عن تأثرهم بالبهتان وانطلاء الزور عليهم وعجزهم عن التمييز بين النور والديجور وبين الظل والحرور واستعدادهم الدائم لان يكونوا شعب كل حكومة يتجمعون كلما سمعوا صفارة ويتفرقون كلما رأوا عصا. اما وهو لم يحدث فإنني اكتفي ياعزيزي القارىء بأن افعل ما فعله تشرفياكوف افندي وادعوك لان تعطس معي في قفا عام ,1998 دون اي اسف او اعتذار وكل سنة وانت طيب