في منتصف سبتمبر الماضي نشرت صحيفة (اراومنيث اي فاكثي) الروسية الواسعة الانتشار رسالة وجهها الاديب اليهودي المعروف ادوارد توبول الى كبار الصيارفة اليهود في روسيا وطلب منهم ان (يتبرع كل واحد منهم ببليون روبل او اثنين لانقاذ روسيا من محنتها . . والحفاظ على سلطتهم) ! وقي مقطع آخر من الرسالة اورد توبول اجزاء من حوارات اجراها مع البليونير اليهودي بيريزوفسكي الذي يعتبر احد سبعة كبار معظمهم من اليهود يسيطرون على الاقتصاد الروسي ويمتلكون عدداً من المؤسسات الاعلامية والمصرفية والتجارية الكبرى. ويقول الأديب الروسي في حديثه الى بيريزوفسكي ان (اليهود مهددون باضاعة فرصة تصدف مرة كل الف عام بعدما تمكنوا للمرة الاولى خلال عشرة قرون من اقامتهم في روسيا من ان يحصلوا على السيطرة الفعلية في البلد) ويضيف ان (بيريزوفسكي اعترف له بان السلطة المالية هي فعلاً في ايدي اليهود) ثم يقول موضحاً ان اليهود كانوا الاقرب الى (الكعكة) عند انهيار الاتحاد السوفييتي, وحذر من ان الامتناع عن استخدام اموالهم وسلطتهم لخدمة البلد الذي يعيشون فيه سيكون (عملية انتحارية) . ولعل التذكير بهذه الرسالة يبدو مسألة ضرورية مع تزايد حدة المواجهة بين القوميين الروس, وبعضهم اعضاء بارزون في الحزب الشيوعي, وبين اللوبي اليهودي في روسيا, في شأن مسببات الازمة المالية والاقتصادية الخطيرة التي تجتاح روسيا منذ بعض الوقت وتهدد بحدوث انهيار اقتصادي فيها. وعلى رغم ان رئيس الحكومة الروسية يفجيني بريماكوف ليس طرفاً في هذه المواجهة, وهو اليهودي الأصل, الا ان الحملات الاعلامية التي يقودها ويوجهها المتمولون اليهود, ومن يطلق عليهم (الاصلاحيين) , استهدفته شخصياً, ربما بسبب ماضيه السياسي, ولكن بالتأكيد لانه يحاول انقاذ الاقتصاد الروسي, من خلال محاولته وقف بعض الصفقات المشبوهة واحداث تغييرات هيكلية تساعد على الحد من الفوضى الاقتصادية والمالية السائدة في روسيا, لا سيما في القطاع المعرفي, فهو يقول ان (مشاكل روسيا الحالية موروثة من عهد الاصلاحيين) ويضيف موضحاً ان (اموال الخصخصة كانت تذهب الى جيوب حفنة اشخاص, او شخص واحد احياناً) (وهو يقصد اناتولي شوبايس نائب رئيس الوزراء السابق والذي تمت عملية الخصخصة تحت اشرافه, وكذلك البليونير اليهودي بيريزوفسكي, اللذين يعتبران ابرز المستفيدين من هذه العملية المستمرة). بيد ان المواجهة الاشد تدور رحاها الآن بين الحزب الشيوعي الروسي والمؤسسات اليهودية ذات التأثير المتعاظم في روسيا, وذلك بعد تزايد الانتقادات الموجهة من قبل بعض اعضاء الحزب النواب في مجلس الدوما (البرلمان) الى (الذين ينهبون البلد) ــ وفقاً للمصطلحات المستخدمة ــ ويقول غينادي زيوغانوف زعيم الكتلة الشيوعية في مجلس الدوما وامين عام الحزب الشيوعي الروسي ان مبالغ تتراوح ما بين 262 و400 مليار روبل اخرجت من البلاد في الآونة الاخيرة. ويضيف: (لو بقيت هذه الاموال في مصارفنا لتغير الوضع) والى ذلك ارتفعت ارقام الديون الخارجية الى 141 مليار دولار, وبلغت نسبة التضخم 85 في المئة. وكان النائب الشيوعي الجنرال البرت ماكاشوف قد ادلى بتصريحات تناول فيها تزايد النفوذ اليهودي, واعتبرت هذه التصريحات معادية للسامية, كما اعلن رئيس لجنة الامن البرلمانية فيكتور ايليوخين ان اليهود يشكلون الغالبية في الكرملين, وقال ان روسيا فقدت خلال السنوات الاخيرة ثمانية ملايين نسمة واضاف ان الخسائر كانت ستغدو اقل (لو كانت الغالبية في الديوان الرئاسي لممثلي القوميات الاصلية جميعاً وليس لممثلي الامة اليهودية وحدها) . بعد هذه التصريحات وغيرها مما تكرر سماعه كثيراً في موسكو في الآونة الاخيرة, انطلقت حملة عنيفة في اوساط اللوبي اليهودي تدعو الى حظر الحزب الشيوعي الروسي كما دعا بوريس بيزوفسكي الى اعتقال فيكتو ايليوخين, وقال:(ليس امام السلطة خيار, فكلما تأخرت في استخدام القوة ازدادت كمية الدماء التي ستراق) ! ومما زاد في حدة الازمة انه لا الحزب الشيوعي وافق على اصدار بيان اعتذار عن تصريحات الجنرال ماكاشوف, ولا مجلس الدوما قبل باصدار بيان يستنكر فيه تصريحات ايليوخين كذلك اعلن رئيس الحكومة يفجيني بريماكوف انه ليس من المنطقي المطالبة بالغاء الحزب الشيوعي الذي يشكل نوابه اكبر كتلة برلمانية في مجلس الدوما. وكان اغتيال النائبة الروسية جالينا ستاروفويتوفا في اواخر نوفمبر الماضي قد ادى الى تأجيج الحملة ضد الحزب الشيوعي, على الرغم من ان مرتكبي الجريمة ظلوا مجهولين ذلك ان النائبة المذكورة كانت تعتبر من ابرز الناشطين مع اللوبي اليهودي في روسيا كذلك اعلن بوريس بيريزوفسكي ان جهات رسمية حاولت تدبير عملية لاغتياله هو شخصياً. في ضوء هذه المؤشرات يتوقع المراقبون ان تزداد حدة المواجهة في المستقبل بين القوميين الروس واللوبي اليهودي الروسي المدعوم من لوبيات اخرى عديدة في العالم, لا سيما اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ومن الواضح ان الاعلام يلعب دوراً رئيسياً في هذه المواجهة المفتوحة فإلى عدد من المطبوعات الرئيسية, تتولى محطتان تلفزيونيتان تخضعان لسيطرة اللوبي اليهودي شن حملات مستمرة ضد حكومة بريماكوف, وضد الحزب الشيوعي الروسي, المحطة الاولى, وهي (او.آر.تي) يسيطر عليها بيريزوفسكي, (ادعى الاخير ان الرئيس بوريس يلتسين اجبره على التنازل عن حصته في المحطة) اما المحطة الثانية (ان.تي.في) فيملكها فلاديمير جوسينسكي رئيس المؤتمر اليهودي في روسيا, كما يملك ايضاً اذاعة (صدى موسكو) وصحيفة (سيفودنيا) اليومية, ومجلة (اليوغي) الاسبوعية. ويذكر ان الجاليات اليهودية في (الاتحاد السوفييتي) كانت قد عقدت اول مؤتمر لها في تاريخ القضية اليهودية, في ديسمبر عام ,1989 وعلى الرغم من ان الموضوع الرئيسي للمؤتمر كان الهجرة اليهودية الى فلسطين بعد الغاء القيود التي كانت تحول دون ذلك, الا ان المؤتمر اعتبر بداية العمل التنظيمي اليهودي المعلن, حيث اعقبته نشاطات مختلفة. وفي نهاية عام 1997 اعلنت (الطائفة اليهودية في روسيا نفسها تنظيماً جديداً ليكون بمثابة هيئة استشارية لدى الحكومة الروسية ويحصل على دعم حكومي ويرتبط بهذا التنظيم الجديد, الذي تم الاعلان عن هيكلية محددة له, حوالي (500) منظمة شبابية ونسائية ورياضية ودينية يهودية تنشط في روسيا حالياً. وما يمكن ملاحظته بوضوح هو ان هذه الخطوات التنظيمية ترافقت مع الهيمنة اليهودية المتزايدة على الاقتصاد الروسي وعلى التوجهات الرسمية في صورة عامة, وهو ما يرشح اللوبي اليهودي الروسي لان يلعب دوراً لا يقل اهمية وتأثيراً عن الدور الذي يمارسه اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة بل لا بد ان يصبح دور الاول اقوى واشد فاعلية نظراً لحالة التفكك والتآكل والتراجع التي تعيشها الدولة الروسية. كل هذا يجعل من المواجهة مع القوميين الروس اكثر حدة وخطورة, برغم ان كل انتقاد لنفوذ اللوبي اليهودي يندرج تحت تهمة (معاداة السامية) . فما يحدث على صعيد الازمة الاقتصادية لا يترك فرصة لأي خيار آخر. كاتب لبناني مقيم في باريس