لم أكن في المنطقة خلال حدوث العدوان الأمريكي البريطاني على العراق. غير اني كواحد من مئات ملايين المشاهدين حول العالم كان في متناولهم أن يروا بالصوت والصورة كيف بدأ العدوان ثم كيف انتهى . وفي الحالتين كان القرار أمريكيا بريطانيا. وفي الحالتين أيضا لم يقل أي من هؤلاء لماذا بدأ العدوان ولماذا توقف بعد أربعة أيام حافلة بالغطرسة والخوف والدمار والإدانة. قالوا في البداية انهم فعلوا ما فعلوا لأن العراق لم يسلم وثائق تتعلق بالأسلحة الكيميائية, ثم عادوا ليقولوا انه خرق قرارات مجلس الأمن, وفي المرة الثالثة قالوا ان العدوان سوف يستمر إلى حين سقوط النظام في العراق! هل دمروا بعدوانهم تلك الوثائق؟ هل أجبروا العراق على تطبيق القرارات الدولية؟ هل أسقطوا النظام في العراق؟ قالوا انهم حققوا أهدافهم, ولكنهم لم يقولوا ما هي تلك الأهداف؟ الغريب أن ممثلي الإدارة الأمريكية خرجوا بعد كل ما حدث ليطالبوا بعودة مفتشي اللجنة الخاصة لبغداد ليمارسوا مهامهم وكأن شيئا لم يكن! طبعا هذا شيء مضحك لا يدل سوى على تخبط هذه الإدارة وغيبوبتها عن الواقع. ما أفهمه أنا وأمثالي من البسطاء أن العدوان الأمريكي البريطاني ضد العراق كان محض ارهاب. هو هكذا بالضبط لا أكثر ولا أقل. ولانه ارهاب, والارهاب دائما جبان, فهو لا يستطيع أن يحقق أي من أغراضه. وككل ارهاب فهو يفضح نفسه بنفسه, ربما يوفر على الآخرين مشقة فضحه وكشفه. الشيء الوحيد الذي لم يفارق ذهني طوال تلك الأيام الأربعة العصيبة, هو كيف يمكن لدولة عظمى يعترف لها العالم بالزعامة, تعجز مع ذلك عن الانتصار في معركة مع دولة تنتمي للعالم الثالث ومحاصرة منذ ثماني سنوات؟ بل تعجز عن تحقيق أي من أهدافها المعلنة, رغم استخدامها لكل أسلحتها المتطورة, حتى لم يتبق سوى أن تستخدم أسلحة الدمار الشامل (النووية والبيولوجية والكيميائية)! وهي تعلن الحرب ثم تقوم بايقافها حتى بدون أن تسمع كلمة تنازل واحدة ولو ضمنية من الطرف الآخر. على ماذا يدل ذلك؟ في تصوري هو قد يدل على أمرين: الأمر الأول ان الولايات المتحدة وتابعها إنما يستمدان قوتهما من النفوذ المعنوي والسياسي وربما الاقتصادي الذي تمارسانه في العالم, أكثر من القوة العسكرية. فهذه الأخيرة اتضح انها ليست بتلك الصورة الأسطورية التي رسمت وترسم لها. والأحرى انها لا يجب أن تخيف أحدا بعد اليوم. وثانيا ان عدالة المعركة وموضوعية المبررات التي تخاض باسمها هي العامل الحاسم في تقرير النتائج النهائية لهذه المعركة. وفي المعركة التي خاضتها واشنطن وتابعها لم يكن ثمة قضية ولا مبررات موضوعية. كان الأمر وسيظل ببساطة مجرد ارهاب تمارسه دولة اعتقدت انها تملك الحق في تحديد مصائر باقي البشر والتحكم في مسار حياتهم. ولهذا السبب لا يمكن لهذه الدولة ومهما امتلكت من أدوات الدمار أن تنتصر في معركة كهذه سواء الآن أو في المستقبل. ينبغي القول هنا أيضا بأننا كنا نتمنى لو أن واشنطن أو تابعها قد شاركتا بقوات برية في العدوان على العراق, لكن ذلك لم يحدث للأسف الشديد. كاتب وصحافي بحريني*