العلاقة الأمريكية الايرانية والتي واجهت الكثير من المصاعب في السابق, تبدو اليوم في طريقها لتطبيق اسلوب الرئيس خاتمي في التعامل الثقافي بين البلدين , ويبدو ان هذا الأسلوب هو الأوفر حظا في الفترة المقبلة وذلك قبل ان تشهد العلاقة بين البلدين تطبيعا حقيقيا يعالج المشكلات التي ما زالت عالقة بينهما, فبعد صراع السنوات الطوال في المبادئ والأفكار والسياسات بين الولايات المتحدة وبين ايران بدأ التحول الهادئ. ان المرحلية في استعادة العلاقة التي قطعتها ثورة 1979 تكتسب اهمية خاصة بين الايرانيين والامريكيين, هكذا بدلا من ان يبدأ التطبيع من الأعلى وبوسائل سياسية قد تثير الانشقاق في الصف الايراني اذا فالتطبيع يبدأ من الشارع ومن الثقافة, وهذا هو بالتحديد ما قصده الرئيس خاتمي في خطابه الموجه للشعب الامريكي في فبراير الماضي. وفي هذا الاطار زار الولايات المتحدة الاسبوع الماضي وفد صحفي ايراني هدفه التعرف على أبعاد مختلفة من الحياة والمجتمع الامريكي, هكذا في لقاءات في مدن ومناطق مختلفة ومع صحفيين وصحف مختلفة تعرف الوفد على أبعاد عديدة في عمل الصحافة الامريكية, وبنفس الوقت قام وفد من رجال الاعمال الامريكيين بزيارة لطهران, وقد تعرض باص الوفد لموقف غاضب اذ قامت مجموعة من المتشددين بتكسير زجاج الباص مما دفع بالرئيس خاتمي لادانة التصرف بقوة. لكن هذه الزيارات بين صحافيين أو سينمائيين وأكاديميين أو رجال اعمال, أو بين رياضيين تعكس بداية تغير بين الحضارتين وبين المجتمعين, اذ تتعرف هذه الزيارات في كل مجتمع على وجه قلما تعكسه وسائل الاعلام, فالامريكيون الذين يتعرفون على الوفود الايرانية يتعلمون ان ايران ليست ارهابا أو خطفا للرهائن بل فيها مجتمع يمارس انتخابات وفيها تيارات سياسية بينها خلافات في الرؤية والتوجه, وبطبيعة الحال, فالايرانيون الذين يتصلون بوفد رجال الاعمال القادم من الولايات المتحدة يسمعون أموراً جديدة عن الولايات المتحدة حجبتها مرحلة الصراع الماضية, وما مقاومة البعض في الجانبين الامريكي والايراني لعلاقة التطبيع والتقدم بين الشعبين الا تعبير عن تصورات قديمة لحالة سابقة تذكر بالمرحلة السابقة من الصراع. لقد لعب الرئيس خاتمي دوره من خلال تياره ومؤيديه لصالح بناء حالة انفتاح في ايران, بل ان السياسة الخاتمية الايرانية تنطلق من ان العزلة تساهم في التراجع الحضاري وان سياسة الانفتاح على العالم هي الطريق الوحيد لضمان وجود مجتمع مسلم متطور, ان اسلوب العزلة يؤدي للكثير من الضعف ومن الافضل تعزيز المستقبل من خلال المعرفة والتبادل الثقافي, ان تأكيدات خاتمي في الأسبوع الماضي امام رؤساء تحرير الصحف الايرانية بأن الثورة الإسلامية جاءت بالأساس من اجل بناء مجتمع يتمتع فيه الفرد باحترام كامل هو انعكاس لطبيعة التوجهات السياسية الجديدة في ايران, ان حرية التعبير والحوار وفق رأي الرئيس خاتمي, هما الطريق الوحيد للتوازن الاجتماعي والسلام الأهلي. وقد عكس اغتيال المعارض الايراني داريوش فرهور وزوجته الاسبوع الماضي في طهران مدى حدة الصراع الدائر بين رؤية وأخرى في الساحة الايرانية, ان المعارض داريوش فرهور رمز للفكر المتحرر والليبرالي في ايران, وكان قريبا من الزعيم الايراني الوطني المعروف محمد مصدق, وكان فرهور بنفس الوقت معارضا للشاه, وقد شارك في أول حكومة اسلامية بعد الثورة ثم استقال منها ليؤسس حزبه (حزب الأمة الايراني) واصبح فيما بعد من أكثر منتقدي سياسات الجمهورية الاسلامية في المرحلة السابقة. وتستمر محاولات التيار المؤيد لخاتمي في السعي لتحقيق المزيد من التغيير, خاصة في المجال الحقوقي والثقافي, وقد جاء انشاء السيد عبد الله نوري لصحيفة يومية ستركز على حقوق الانسان والحريات وسلطة القانون واهمية تطبيقه بانصاف ليؤكد بأن تعزيز خط الاعتدال يتطلب خطوات ويتطلب اقناعا وتوضيحا على مدى متوسط وبعيد, ان نوري هو وزير الداخلية سابقاً في حكومة خاتمي وقد سبق وان أسقطه البرلمان نظرا لمواقفه المرنة من حرية الرأي. ان الثورة الاسلامية في ايران قطعت شوطا كبيرا منذ العام ,1979 فقد بدأت بعد انتصارها بالاعتماد اولاً على المعتدلين من أمثال بني صدر أول رئيس للجمهورية وبارزكان أول رئيس للوزراء, ثم انهت حكم المعتدلين وسط عنف داخلي واعتمدت على المتشددين, وفي عهد المتشددين الذي امتد لفترة امتدت طوال سنوات الحرب الايرانية العراقية اكدت الجمهورية ذاتها في الداخل ولكنها دخلت بصراع محموم مع الخارج, الصراع مع الخارج دفع ايران الى الانغلاق على الذات, لكن انتخاب الرئيس خاتمي عام 1997 غير المعادلة, اذ عاد التيار الوسط والمعتدل وبفضل دعم شعبي كبير الى موقع الفعل والتأثير, لكن يبقى السؤال: كيف تنتقل ايران نحو مزيد من الاعتدال, وكيف يمكن للمتشددين التواصل مع المرحلة المقبلة؟ بمعنى آخر كيف يمكن اقناع الأغلبية في المجتمع الايراني بأقوال تجديدية كتلك التي تصدر بانتظام عن الرئيس خاتمي: (الحرية والتعددية الفكرية لا تهدد المجتمع, وان الحد من الحرية هو الذي يهدد المجتمع, ان نقد الدولة ومؤسساتها على جميع المستويات لا يؤذي النظام, بل على العكس فهو أمر ضروري للتقدم) . أستاذ في قسم العلوم السياسية, رئيس تحرير مجلة العلوم الاجتماعية