يبدو ان المثل القديم في تراث الفروسية العربية (السيف أصدق أنباء من الكتب) , آن له ان يفسح الى جواره مثلا جديدا يشي بما لثورة الاتصالات من اهمية وفائدة غير مسبوقة في نشر الوعي والادراك المعرفي بما يجري في شتى ربوع العالم من احداث ومتغيرات على كل صعيد ... في التو واللحظة! يقول المثل (الدش ما بيغش) وكانت مجالس الونسة وهي البرلمانات الديمقراطية الشعبية قد شهدت ولادة هذا المثل لاول مرة, نكاية في الرؤى الاحادية والاخبار الانتقائية التي تبثها اجهزة اعلام النظام الحاكم في الخرطوم, في الوقت الذي بات متاحا عبر جهاز (الدش) وقنواته الفضائية المتعددة الهوية وتوجهاتها المتباينة, التعرف بسهولة على الوجه الآخر للحقيقة ازاء ما يجري في السودان بلا مغالطة أو تزويق. على ان الازمة العراقية المزمنة, وما انتحت اليه مرحليا بالضربة الصاروخية الامريكية البريطانية الاخيرة, انتزعت المثل السوداني الساخر من اطاره القطري, واضفت عليه صيغة (قومية) عبر الدور الاعلامي الجديد الذي نهضت به عدد من القنوات الفضائية العربية من خلال بثها المباشر لوقائع الضربة الصاروخية بالصوت والصورة وكذا تقارير شبكة مراسليها البواسل الذين واصلوا الليل بالنهار في متابعة انعكاساتها المدمرة على الشعب العراقي الذي استهدفه العدوان, وكم فاقم من شقائه ومعاناته بعد سبع سنوات ونصف من الحصار, دون ان تنال من كبريائه ومعنوياته وجموده, على ان الاكثر حيوية وفائدة معرفة ان هذه القنوات تمكنت من تطوير ادائها الاعلامي سريعا وقامت بمهمة مراكز الدراسات, عبر سبر أغوار العدوان سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا, ورصد ردود افعاله على الصعيد العربي والدولي, واستطلاع مواقف الانظمة والشعوب واستقرار رؤى النخب السياسية والفكرية المختلفة حول مستقبليات الازمة! ويلفت الانتباه ان القنوات الفضائية العربية التي تستحق الاشادة بعطائها القومي ونهجها المستنير, اما مملوكة لشركات خاصة, او تحظى باستقلالية مؤكدة عن حكوماتها, ومثالها البارز قناة الجزيرة التي كثيرا ما توجه نقدها اللازع لما يعن لها من مواقف حكومة قطر وسياساتها دون معقب او رقيب, مما اكسبها رصيدا متزايدا من المصداقية الاعلامية وجذب قطاعات واسعة من المشاهدين العرب تباعا! والشاهد ان تجربة هذه القنوات برغم انها لم تتجاوز عامين قد حققت نجاحات مقدرة في سد الثغرات اللاديمقراطية التي تعيب الخطاب السياسي العربي وأجهزته الاعلامية, مما كان يفرض على الشعوب العربية اشباع نهمها الى معرفة الحقائق التي تتعلق بمجتمعاتها وقضاياها المحلية والقومية الساخنة والمتحركة ساعة بساعة, عبر الاذاعات والفوازير الفضائية الاجنبية, وعلى سبيل المثال كان الاهتمام العربي ابان ازمة الخليج ما بين عامي 90 و1992 بمتابعة وقائعها واحداثها عبر اذاعات (مونت كارلو) والـ (بي. بي.سي) وقناة (سي.ان .ان) بينما تحول الاهتمام منذ الضربة العسكرية الاخيرة للعراق الى القنوات الفضائية العربية المستقلة او التابعة للقطاع الخاص, بعدما تأكد المشاهد العربي وفاءها بحاجته الى المعلومة الصحيحة, واتسام خطابها الاعلامي بالشفافية والحس القومي الملتزم بخيارات الامة العربية وثوابتها السياسية! ومن هنا نستطيع التأكيد باطمئنان على المحصلة القومية التي افرزتها الممارسات الاعلامية المستنيرة لهذه القنوات في خلق نواة رأي عام عربي موحد ومتجانس من المحيط الى الخليج, وهو ما عجزت عنه الانظمة والاحزاب والاعلام والمنظمات الاهلية والجامعة العربية بعيد رحيل زعيم القومية العربية الخالد جمال عبدالناصر, والفضل اولاً وأخيراً لهذه الظاهرة السياسية يعود الى توجهات هذه القنوات وخياراتها القومية في معالجة الازمة العراقية من كافة زواياها بحرية ومسؤولية, وتفعيل مبدأ الرأي والرأي الآخر, وكأنها تمشي على الصراط الديمقراطي المستقيم! وهكذا لأول مرة ومنذ زمن بعيد, يسمع المشاهد العربي ويرى ويعي, معاني واهداف القومية العربية المغيبة, وهي تتجسد امامه على شاشات التلفزيون عبر المظاهرات الشعبية التلقائية التي خرجت في طول وعرض الوطن العربي تندد بالعدوان على الشعب العراقي باعتباره عدوانا على الامة العربية كلها, وتشير بأصابع الاتهام الى أمريكا وبريطانيا واسرائيل كونهم أعداءها التاريخيين امس واليوم وغدا, او تطالب الانظمة العربية بالتخلي عن فرقتها وتخاذلها والتحشد صفا واحدا في مواجهة الاخطار التي ما تزال تنتظر الشعب العراقي وغيره من الشعوب العربية والاسلامية! ومن عجب ان تؤجج مشاهد المظاهرات العربية التي نقلتها القنوات الفضائية, سلسلة المظاهرات التي خرجت في عواصم العالم تندد بالعدوان وترفع شعارات التضامن مع شعب العراق, مما فرض على الانظمة العربية بالتالي السماح بالمظاهرات الشعبية للتنفيس عن مكبوتاتها القومية, وان تلعب هذه القنوات دور القاطرة الديمقراطية لغيرها من الفضائيات العربية الرسمية, عبر بث البرامج الحوارية الصريحة التي تتمتع بحرية نسبية!. حتى الاطفال وربات البيوت ممن يشدهم في العادة برامج التسلية والمسلسلات الدرامية, بدأوا ينشغلون بنشرات الاخبار والتقارير السياسية وحلقات النقاش التي تعنى بأزمة الخليج أو القضية الفلسطينية وحتى مأساة الاضطهاد الديني في اقليم كوسوفو أو التصفيات العرقية في الكونغو, وتلك كذلك خدمة اعلامية ومعرفية جليلة وان لم تقصد لذاتها, اذ على ما تبدو عليه الشواهد, ان الديمقراطية فرس الرهان الرابح دائماً في اي سباق اعلامي او سياسي لكسب الانسان العربي التواق الى الافاقة من غيبوبته المعرفية والتعبير عن مكبوتاته السياسية! ولأن الكمال لله وحده سبحانه, بات من المتعين مراجعة وتقييم تجربة القنوات الفضائية العربية, وتنقيتها من السلبيات قبل ان تستفحل وتستقر في ضمير المشاهدين العرب, نحن بالطبع مع حرية هذه القنوات الى ابعد مدى, ونرفض المحاولات التي تسعى جاهدة الى تضييق الخناق على نهجها الديمقراطي وشجاعتها في الحق, لكننا نأمل تصحيح المسار عبر الاختيار الدقيق والمسؤول للقضايا الجادة التي تستحق المعالجة افضل من غيرها التي تثير الفتنة من مراقدها وتغرق اكثر مما تجمع, والاختيار مطلوب كذلك لعلماء الثقافة والمفكرين القوميين والمتخصصين المؤهلين للشرح والاضافة دون ابتسار او صخب, والف تحية وسلام لنجوم القنوات العربية وجنودها المجهولين لدورهم الاعلامي وادائهم الخلاق في حشد الامة العربية حول كلمة سواء وعمل فاعل لنصرة شعب العراق! * كاتب وصحفي مصري