لهذه السنة 1999, ما يميزها عن غيرها من السنوات بما في ذلك مثيلاتها اللواتي سبقنها في الفصل والوصل بين قرن وآخر من تاريخنا المكتوب, وذلك لأنها تفصل وتصل أيضا بين نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة من تاريخ ما بعد ميلاد السيد المسيح . هي سنة منعطف, تستحق وقفة تأمل, بل دراسة جماعية شاملة, تحاول جرد ما مضى من أحداث القرن الذي ينصرم وتمهد لاستشراف أحداث القرن الوافد عبر أيام هذه السنة المعلقة بين قرنين والفاصلة بين ألفين. لقد شهد هذا القرن من الأحداث ذات التأثير الجذري على المسيرة العامة لحياة الشعوب ما فاق نوعا وكما ما شهده كل هذا التاريخ ما قبل الميلاد وما بعده, ولو كان الزمن يحتسب بقيمة أحداثه وليس بدورة الأرض والشمس ورحلة الليل والنهار, لما احتسبت سنوات القرن العشرين بمائة سنة, بل بمئات السنين وربما بالآلاف. كان هذا القرن هو الأكثر دموية بين كل القرون التي سبقته,, إذ اشتعلت خلاله أكثر من مائة وثلاثين حربا, قتل فيها أكثر من مائة وعشرين مليون انسان, أي أكثر من مجموع كل من قتلوا في جميع الحروب التي سبقت سنة 1900, ولكن المفارقة المثيرة هي ان نلحظ في الوقت نفسه ان أعداد البشر الذين أنقذهم التطور الهائل الذي شهده هذا القرن في علمي الصحة والزراعة تفوق بما لا يقاس اعداد من أزهق الجوع والمرض حياتهم طيلة التاريخ الذي سبقه. كما شهد هذا القرن طفرات وقفزات في ميادين العلم المختلفة, والتكنولوجيا, يصعب تعدادها وتقدير آثارها, وتكفي الاشارة إلى ان الولايات المتحدة وحدها قد سجلت في هذا القرن أكثر من أربعة ملايين براءة اختراع, لو أضفنا إليها ما تم تسجيله من براءات في الدول المتقدمة الأخرى لتضاعف العدد , ولو تذكرنا كم من القرون انصرمت من حياة الانسان, قبل ان تتطور وسائل مواصلاته من القدمين إلى الخيول إلى الدولاب, قبل دخولنا عصر البخار والكهرباء والذرة وسفن الفضاء, لأدركنا هول التسارع في وتيرة التقدم الذي أحرزه الانسان في هذا القرن, حيث اختزل الرحلة حول العالم في ثمانين يوما إلى بعض ساعات قد تتحول إلى دقائق قبل نهاية العام, لقد بتنا نحيا في عصر نسافر فيه اليوم لنصل إلى مبتغانا في (الأمس) ! وكان من الطبيعي ان يواكب هذه الحركة بقفزاتها العلمية والتقنية, ما فرضته من تحولات سياسية عارمة هزت خرائط الدنيا وغيرت وبدلت في حدودها السياسية ومستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. في صباح هذا القرن كانت الحرب العالمية الأولى, وكان وعد بلفور من تداعياتها. وفي (ضحى) هذا القرن كانت الحرب العالمية الثانية, وكان قيام اسرائيل من ثمارها. ودارت بين (ظهر) هذا القرن و(عصره) حرب باردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي, بقيادة كل من واشنطن وموسكو, سماها بعض المؤرخين بالحرب العالمية الثالثة رغم عدم المجابهة المباشرة بينهما بسبب الرادع النووي, فكان بديلها حروبا تنقلت بين العديد من الدول وفي معظم القارات. ثم كانت مفاجأة القرن قبيل (غروب) شمسه عندما اندلعت ثورة (البيريسترويكا) التي شغلت العالم كله وانتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي ودخول القرن حقبة جديدة من حقبه المميزة, حقبة القطب الأوحد, الذي يخيم على واقعنا الراهن متوعدا بفرض ما يخيف من متغيرات بدأت ملامحها تلوح في الأفق, في المنطقة العربية كما في سائر المناطق في العالم. ولعل أهم ملامح هذا التغيير وأشدها خطورة تتجلى في المنعطف الجذري الذي طرأ على قضية فلسطين ومجمل حركة الصراع العربي الاسرائيلي. سبق وقلنا ان (الوعد) باقامة الكيان الصهيوني كان من نتائج الحرب العالمية الأولى, وان (قيام) هذا الكيان كان من نتائج الحرب العالمية الثانية, فما الذي نجم عن نهاية الحرب الباردة (العالمية الثالثة)؟ ان ما حدث هو (تثبيت) هذا الكيان بانتزاع (شرعية) وجوده فلسطينيا وعربيا, وتبع ذلك محاولات (تطبيع) علاقات هذا الكيان مع الجوار العربي وتصفية قضية فلسطين نهائيا بحكم ذاتي من نوع الحد الأدنى الشبيه بنظام (الأبارتايد) في جنوب أفريقيا قبيل انتصار ثورتها بقيادة آخر مناضلي هذا القرن نيلسون منديلا. وليس مؤتمر مدريد وما نجم عن نهج التسويات مع توقيع الاتفاقيات في أوسلو ووادي عربة إلا الترجمة الأولى لمخططات اعادة ترتيب المنطقة وتوزيع مناطق النفوذ الجديدة فيها. ولما كان النفط من أولويات الولايات المتحدة باستمرار, ومنطقتنا من أهم مصادر هذه السلعة, فلقد تضاعف اهتمامها بعملية تغيير المنطق وفق ما يناسبها كقطب أوحد لا شريك له في النظام الدولي الجديد. ومن هنا يدرج البعض حرب الخليج الثانية في هذا السياق بدءاً من غزو الكويت مروراً بتحريرها ووصولاً الى ترك الجرح العراقي بحالة النزيف, لتستمر واشنطن في عملية الابتزاز النفطي الى اطول مدى وبأقصى المكاسب الممكنة. بعد هذا العرض الموجز جداً لأحداث القرن الذي ينصرم وما أفرزته من متغيرات ومعطيات جديدة فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتناول مستقبل هذه المنطقة العربية ونحن على بعد خطوات من القرن الواحد والعشرين وبداية الالفية الثالثة. وبديهي انه يستحيل الحديث عن مستقبل قضية فلسطين ولعبة النفط بمعزل عن المصير العربي برمته. ومن هنا فإن مشكلة العرب مع النظام الدولي الجديد مرشحة لتكون أكثر تعقيداً واحتداماً من مشاكل أي شعب وأية دولة من شعوب ودول جنوب الكرة الأرضية. فهل في الواقع العربي الراهن ما يشجع على رد متفائل حول قدرتنا على مجابهة التحديات الوافدة؟ والجواب الصريح هو (لا) قاطعة إلا إذا.. إلا إذا أدرك المسؤولون عن مصير هذه الأمة, حكاماً كانوا أم قيادات شعبية, بأنه لا بد من توفير ثلاثة شروط يستحيل من دونها مجابهة هذه التحديات والانتصار عليها. وأول هذه الشروط هو تحرير الانسان العربي. لان انساناً غير حر في مجتمعه ووطنه هو انسان غير مؤهل للدفاع عن هذا المجتمع وهذا الوطن. ان فاقد الشيء لا يعطيه, والوطن لم يعد مجرد حفنة من تراب, او راية زاهية الألوان, او نشيد يشنف الآذان, او صورة للمسؤول لا تغيب عن الشاشة الصغيرة, انه اكثر من ذلك واهم بكثير هو اولاً وقبل كل شيء لقمة عيش كريمة وحياة آمنة مصونة, ورأي حر لا تخشى البوح به ولو كان خاطئاً, وانتماء لتراث تحنو اليه وواقع تعتز به ومستقبل واعد بالمزيد من الخير. اذن, لا بد من وضع حد لأزمة الحرية في بلادنا, بعد ان استفحلت ودفعت بالناس لا لليأس من (النظام) وحسب, وانما وصلت حدود اليأس من (الوطن) . اما ثاني هذه الشروط فهو ضرورة الانتقال النوعي بتطوير لغتنا النضالية الراهنة, واستبدال ما فيها من حماس وبلاغة وشعارات جوفاء, بلغة المعلومة والرقم ورموز وسائل الاتصالات الالكترونية ودخول عالم التكنولوجيا من أوسع ابوابها, لا استهلاكاً لأدواتها وحسب, بل انتاجاً لها واسهاماً في تطويرها بما يخدم مصالحنا. علينا ان نتوقف عن دفاعاتنا عن الذات باغتراف ما في ماضينا المجيد من مفاخر, او باللجوء الى احلام اليقظة وأقوال المنجمين, علينا ان نرد على الاسئلة القاسية بالاجوبة الصادقة, حول نسبة الأمية في صفوفنا, والقيمة السنوية لدخل الفرد عندنا, وعدد السعرات الحرارية في غذائه اليومي, وكمية حصته من المياه بالنسبة لمعدل ما يصرفه الانسان في الدول المتقدمة, وعدد الكيلومترات التي تشملها طرق مواصلاته, أو عدد الكراسي المتوفرة بالنسبة لعدد الطلاب المحتاجين للدراسة الى غير ذلك من اسئلة العصر التي اصبحت من الماضي بالنسبة لغيرنا ونحن لا نملك الاجوبة المستقبلية لها. وثالث هذه الشروط هو انتشال هذه الامة من حفر الانقسام والتشرذم الشوفينية الضيقة التي لم تترك بلداً عربياً واحدا دون ان يكون له مشاكله مع من يشاركه الجوار والحدود. انه لأمر مثير للريبة والشك ان نشهد هذا الاستشراء الرهيب للفكر الانعزالي الكياني بين بلداننا العربية رغم ما يؤكده تاريخ الوطن الاكبر بأنه كان على الدوام تاريخا متشابكاً ومشتركاً وسجلا لتفاعلات مستمرة بين اهله, وان كان هناك من لا يعير التاريخ البعيد حقه او يشكك في مقولاته, فإن تاريخ الأمس القريب, بل تاريخ واقعنا الذي لم يصبح (تاريخا) بعد يؤكد على هذه الحقيقة ويكرسها, والا فما معنى ما حدث لنا من مآس في العقدين الماضيين في لبنان والكويت والعراق والمغرب واليمن؟ انه لا مفر لنا, اذا ما عزمنا على مجابهة التحديات الوافدة وتحقيق النصر عليها, من التصدي لها كأمة واحدة وليس كشعوب وقبائل وكيانات هشة اشبه بالفنادق منها بالأوطان والدول. ولكي لا ترتعد فرائص بعض محدثي النعمة ولا تصطك ركب المأخوذين برايات سايكس ــ بيكو المعرضة للمزيد من التفتيت, يمكننا ان نطمئنهم بأن وحدة المجابهة لا تعني بالضرورة قيم دولة الوحدة المركزية بين المحيط والخليج, فهناك انماط واشكال ومستويات للعمل الوحدوي الممكنة والقادرة على تأدية المهمة المطلوبة منها. فإذا كانت الدول الاوروبية, من أمثال فرنسا وألمانيا وبريطانيا, وهي الأقوى والأكثر عراقة من معظم دولنا وكياناتنا المستحدثة, استشعرت ضرورة توحيد اقتصادها ونقدها وسياستها, وضرورة تجاوز كل ما بينها من فوارق قومية وثارات تاريخية, من اجل مجابهة القرن المقبل والألف الثالثة, فأي عذر لنا نحن العرب في ألا نتحد وألا نتضامن وألا نشكل كتلة تكفل بقاءنا واستمرارنا في مواجهة عولمة النظام المقبل!! فهل سنفي بما هو مطلوب منا للحفاظ على وجودنا واراضينا ومواردنا, ام سنقضي المائة سنة المقبلة مكتفين بشتم اللصوص بينما هم يوردون بالإبل؟!